عرب وعالم

الخميس - 11 يونيو 2026 - الساعة 06:29 م بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


لم تؤدّ الضربات الأميركية الأخيرة ضد مواقع عسكرية وبحرية إيرانية إلى تقليص التوتر في الخليج بقدر ما دفعت المنطقة نحو مرحلة أكثر خطورة، عنوانها الرئيسي تهديد الملاحة الدولية وتحويل مضيق هرمز إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين واشنطن وطهران. فبدل أن تفضي العمليات العسكرية إلى إضعاف قدرة إيران على التحكم في المضيق، بدا أنّها دفعتها إلى تبني سياسة أكثر تشددا تقوم على استخدام هرمز ورقة ضغط إستراتيجية في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.

ويأتي التصعيد الحالي في وقت يشهد فيه الخليج واحدة من أكثر مراحله حساسية منذ سنوات، مع انتقال المواجهة الأميركية – الإيرانية من مستوى العقوبات والردع غير المباشر إلى مستوى الاستهداف العسكري المباشر ومحاولات فرض السيطرة على طرق الطاقة والتجارة الدولية.

وفي هذا السياق أعلنت السلطات الإيرانية إغلاق مضيق هرمز بشكل كامل، مبرّرة القرار بما وصفته بـ”العدوان الأميركي” على مواقع داخل إيران. وأكدت القيادة العسكرية الإيرانية أنّ أي سفينة تحاول عبور المضيق ستكون عرضة للاستهداف، في رسالة واضحة مفادها أن طهران مستعدة للذهاب بعيدا في استخدام موقعها الجغرافي كورقة ردع سياسية وعسكرية.

ولم يعد مضيق هرمز بالنسبة إلى إيران مجرد ممر بحري إستراتيجي، بل تحوّل إلى أحد أهم عناصر معادلة القوة في صراعها مع الولايات المتحدة. فالمضيق الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية يمنح طهران قدرة استثنائية على التأثير في أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، حتى في ظل العقوبات والحصار المفروضين عليها.

ويعتقد مراقبون أن القيادة الإيرانية تدرك أن قدرتها على مواجهة الولايات المتحدة عسكريا بشكل تقليدي محدودة، لذلك تعتمد بصورة متزايدة على أدوات الحرب غير المتكافئة، وفي مقدمتها تهديد الملاحة الدولية ورفع كلفة أي مواجهة طويلة على الاقتصاد العالمي، وخاصة الاقتصاد الأميركي الذي يبقى شديد الحساسية تجاه أسعار الطاقة والوقود.

ومن هذا المنطلق يبدو التصعيد في هرمز جزءا من إستراتيجية إيرانية مدروسة تقوم على نقل الضغط إلى الخارج وإظهار أن استهداف إيران لن يظل محصورا داخل حدودها، بل ستكون له انعكاسات مباشرة على التجارة الدولية وسلاسل الإمداد وأسواق النفط.

في المقابل تبدو الولايات المتحدة ماضية في سياسة خنق إيران اقتصاديا وعسكريا، عبر توسيع عملياتها البحرية في الخليج وبحر عمان. وقد تحوّلت هذه العمليات تدريجيا من مجرد مراقبة واعتراض إلى استهداف مباشر للسفن المرتبطة بإيران أو المشتبه في نقلها النفط الإيراني.

ومع اتساع هذه العمليات ازدادت احتمالات وقوع خسائر بشرية ومواجهات أوسع، خاصة بعد الإعلان عن مقتل ثلاثة بحارة هنود في عملية أميركية استهدفت ناقلة نفط قبالة سواحل سلطنة عمان. ويعدّ هذا التطور مؤشرا خطيرا على انتقال الصراع البحري إلى مرحلة أكثر دموية، وهو ما يهدد بتحويل المنطقة إلى بؤرة اضطراب دولي مفتوح.

كما تعكس هذه الحوادث حجم التعقيد الذي بات يحيط بحركة الملاحة في الخليج، حيث أصبحت السفن التجارية وناقلات النفط عالقة بين الضغوط الأميركية والتهديدات الإيرانية، في ظل غياب أي تفاهم دولي واضح لضمان أمن الممرات البحرية.

وما يزيد من خطورة الوضع أن التصعيد الحالي لا يقتصر على الجوانب العسكرية فقط، بل يرتبط أيضا بصراع اقتصادي وإستراتيجي أوسع يتعلق بالسيطرة على مصادر الطاقة العالمية. فتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن الاستيلاء على البنية النفطية الإيرانية والسيطرة على قطاع النفط والغاز تعكس توجها أميركيا أكثر ميلا إلى الهجوم ويتجاوز مجرد احتواء إيران إلى محاولة إعادة تشكيل ميزان القوى الاقتصادية في المنطقة.

ويبدو أن واشنطن تسعى إلى استثمار الضغوط العسكرية والبحرية لإضعاف قدرة إيران على تصدير النفط وتقليص مواردها المالية إلى الحد الأدنى، خاصة بعد أن تمكنت طهران خلال السنوات الماضية من الالتفاف جزئيا على العقوبات عبر شبكات تصدير غير رسمية وأساطيل نقل تعمل بطرق معقدة، خصوصا نحو السوق الصينية.

لكنّ هذه السياسة الأميركية تنطوي في الوقت نفسه على مخاطر جسيمة، لأن دفع إيران إلى الزاوية قد يجعلها أكثر ميلا إلى التصعيد بدلا من التراجع، خاصة إذا شعرت بأن استهداف قطاعها النفطي يهدد بقاء النظام نفسه.

وفي هذا الإطار تبدو جزيرة خارك ذات أهمية محورية في المواجهة الحالية، باعتبارها القلب الرئيسي لصادرات النفط الإيرانية. وأي محاولة أميركية للسيطرة عليها أو تعطيل منشآتها ستُفسَّر إيرانيّا باعتبارها إعلان حرب اقتصادية شاملة، ما قد يدفع طهران إلى ردود أكثر عنفا في الخليج وربما في مناطق أخرى من الشرق الأوسط.

كما أن استمرار التوتر في هرمز يضع القوى الدولية الكبرى أمام معضلة متزايدة. فالدول الآسيوية المستوردة للطاقة، وفي مقدمتها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، تعتمد بدرجات متفاوتة على استقرار الملاحة في الخليج، وأي تعطيل طويل للمضيق ستكون له تداعيات مباشرة على اقتصاداتها.

ومن المرجح أن يؤدي استمرار الأزمة إلى ارتفاع إضافي في أسعار النفط والتأمين البحري وتكاليف الشحن، وهو ما قد يفاقم الضغوط الاقتصادية العالمية في وقت لا يزال فيه الاقتصاد الدولي يواجه تبعات أزمات متلاحقة.

وفي ظل هذه المعطيات تبدو المنطقة أقرب إلى مرحلة استنزاف متبادل، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى فرض هيمنة بحرية واقتصادية كاملة، بينما تراهن إيران على قدرتها على إرباك تلك الهيمنة عبر الجغرافيا والتهديد الدائم للممرات الحيوية.

لكنّ أخطر ما في المشهد الحالي هو غياب أي مؤشر حقيقي على وجود مسار دبلوماسي قادر على احتواء التصعيد. فخطاب الطرفين بات أكثر حدة، والتحركات العسكرية أصبحت أكثر مباشرة، فيما تتآكل تدريجيا المساحات التي كانت تسمح سابقا بضبط الاشتباك ومنع الانزلاق نحو مواجهة أوسع.

وإذا استمر هذا المسار قد يتحول مضيق هرمز من ورقة ضغط سياسية إلى نقطة اشتعال دائمة تهدد ليس فقط أمن الخليج، بل أيضا استقرار الاقتصاد العالمي بأسره.