عرب وعالم

الأربعاء - 20 مايو 2026 - الساعة 06:16 م بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


تقترب الولايات المتحدة والسعودية من إبرام اتفاق للتعاون في مجال الطاقة النووية المدنية، في خطوة تسعى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى توظيفها لتعزيز الشراكة الاستراتيجية مع الرياض ودعم الصناعة النووية الأميركية، غير أن الاتفاق المقترح يثير جدلا واسعا داخل واشنطن بسبب المخاوف المرتبطة بضمانات منع الانتشار النووي واحتمال فتح الباب أمام سباق تسلح إقليمي في الشرق الأوسط.

وكشفت رسالة بعثت بها وزارة الخارجية الأميركية إلى السناتور الديمقراطي إدوارد ماركي أن الاتفاق المنتظر لا يتضمن الضمانات الصارمة التي طالب بها مشرعون ديمقراطيون خلال الأشهر الماضية، بل يكتفي بما وصفته الوزارة بـ”اتفاقية ضمانات ثنائية” بين واشنطن والرياض، وهو ما أثار انتقادات حادة من دعاة الحد من الانتشار النووي.

وكانت إدارة ترامب قد أعلنت العام الماضي سعيها إلى التوصل لاتفاق نووي مدني مع السعودية يتيح للشركات الأميركية المشاركة في تطوير قطاع الطاقة النووية بالمملكة، في إطار مساعي واشنطن لتعزيز نفوذها الاقتصادي والاستراتيجي في الخليج، ومواجهة التمدد المتزايد لروسيا والصين في سوق الطاقة النووية العالمية.

وترى الإدارة الأميركية أن الاتفاق يشكل ركيزة لشراكة طويلة الأمد بمليارات الدولارات، إذ أكد مسؤول الشؤون التشريعية في وزارة الخارجية بول جواليانوني، في الرسالة الموجهة إلى ماركي، أن الاتفاقية “ترسي الأساس القانوني لشراكة نووية مدنية تمتد لعقود”، وتخدم أهدافا اقتصادية واستراتيجية ذات أولوية للولايات المتحدة.

لكن الجدل الدائر داخل الكونغرس يتركز على طبيعة القيود المفروضة على البرنامج النووي السعودي، خاصة في ظل تصريحات سابقة لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أكد فيها أن المملكة ستسعى إلى تطوير سلاح نووي إذا امتلكت إيران سلاحا مماثلا، وهو ما دفع عددا من المشرعين الأميركيين إلى المطالبة بضمانات أكثر تشددا قبل إتمام أي اتفاق.

وفي مارس الماضي، دعا عشرات النواب الديمقراطيين وزير الخارجية ماركو روبيو إلى الضغط على السعودية للقبول بالبروتوكول الإضافي التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية، والذي يمنح الوكالة صلاحيات واسعة للتفتيش والمراقبة، بما في ذلك إجراء زيارات مفاجئة لمواقع غير معلنة.

ويعد هذا البروتوكول أحد أهم أدوات الرقابة الدولية لمنع تحويل البرامج النووية المدنية إلى أغراض عسكرية.

كما طالب المشرعون بأن يتضمن الاتفاق ما يعرف بـ”المعيار الذهبي” في اتفاقات التعاون النووي الأميركية، وهو الشرط الذي يمنع الدول الشريكة من تخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجة الوقود النووي المستهلك، باعتبار أن هاتين العمليتين تمثلان المسار الأكثر حساسية نحو إنتاج مواد انشطارية يمكن استخدامها في صناعة الأسلحة النووية.

وكانت الإمارات قد وافقت على هذا الشرط عندما وقعت اتفاقها النووي مع الولايات المتحدة عام 2009، وهو ما اعتبر حينها نموذجا للتعاون النووي السلمي في المنطقة. غير أن الرسالة التي أرسلتها وزارة الخارجية الأميركية إلى الكونغرس لم تتضمن أي إشارة إلى “المعيار الذهبي”، الأمر الذي عزز المخاوف من احتمال تقديم واشنطن تنازلات للرياض في سبيل إنجاز الاتفاق.

ويرى منتقدو الاتفاق أن غياب القيود الصارمة قد يمنح السعودية مستقبلا القدرة على تطوير بنية تحتية نووية يمكن استخدامها لأغراض عسكرية إذا تغيرت الظروف السياسية أو الأمنية في المنطقة.

كما يخشى هؤلاء من أن يؤدي الاتفاق إلى تشجيع دول أخرى في الشرق الأوسط على المطالبة بحقوق مماثلة في التخصيب، ما قد يفتح الباب أمام سباق نووي إقليمي.

وفي هذا السياق، اتهم السناتور الديمقراطي إدوارد ماركي إدارة ترامب بـ”بيع الأمن القومي”، معتبرا أن منح السعودية تكنولوجيا نووية متقدمة دون ضمانات قوية يمثل مخاطرة كبيرة، خاصة في ظل التوترات المستمرة مع إيران.

وقال ماركي إن الإدارة الأميركية تخوض صراعا مع إيران بسبب برنامجها النووي، بينما تسعى في الوقت نفسه إلى منح السعودية التكنولوجيا ذاتها من دون قيود كافية، في إشارة إلى ما يراه الديمقراطيون تناقضا في سياسة واشنطن تجاه الانتشار النووي.

وفي المقابل، تؤكد إدارة ترامب أن الاتفاق المقترح يلتزم بالقوانين الأميركية ومعايير السلامة والأمن النووي، مشيرة إلى أن النص يخضع حاليا للمراجعة النهائية قبل توقيعه رسميا. كما شددت وزارة الخارجية على أن الاتفاق يعكس “التزاما مشتركا من الولايات المتحدة والسعودية بمعايير قوية للسلامة والأمن ومنع الانتشار”.

ويرى مؤيدو الاتفاق أن تعزيز التعاون النووي مع السعودية يمنح واشنطن نفوذا أكبر على البرنامج النووي السعودي مقارنة بترك الرياض تتجه إلى شركاء آخرين مثل الصين أو روسيا، اللتين توسعتا خلال السنوات الأخيرة في مشاريع الطاقة النووية حول العالم.

كما تعتبر الإدارة الأميركية أن الشراكة النووية مع الرياض تحمل أبعادا سياسية واستراتيجية تتجاوز ملف الطاقة، إذ تأتي ضمن مساعي إعادة صياغة التحالفات الأميركية في الشرق الأوسط وتعزيز العلاقات مع السعودية باعتبارها شريكا رئيسيا في ملفات الأمن والطاقة والاستقرار الإقليمي.

وبمجرد توقيع الاتفاق وإحالته إلى الكونغرس، سيكون أمام مجلسي الشيوخ والنواب تسعون يوما للاعتراض عليه.

وإذا لم يتم تمرير قرار يرفض الاتفاق خلال هذه الفترة، فسيصبح نافذا، ما يفتح الباب أمام نقل التكنولوجيا النووية الأميركية إلى السعودية وإطلاق مرحلة جديدة من التعاون الاستراتيجي بين البلدين، وسط استمرار الجدل بشأن حدود الضمانات المطلوبة لمنع الانتشار النووي في منطقة تعيش أصلا على وقع توترات متصاعدة.