أخبار وتقارير

الخميس - 14 مايو 2026 - الساعة 06:09 م بتوقيت اليمن ،،،

د. عبدالله عبدالصمد


أجلس وحدي وأسأل نفسي:

هل نحن فعلاً أمام نهاية مشروع الجنوب؟
أم أننا فقط في واحدة من أخطر محطات الاختبار السياسي والعسكري منذ سنوات؟
ثم أعود وأسأل:

إذا كان المجلس الانتقالي قد هُزم في الوادي والصحراء بحضرموت، فهل تعني الهزيمة نهاية القضية؟
وهل القضايا الوطنية تُقاس بمعركة واحدة؟
أم أن الشعوب تُهزم فقط عندما تفقد إرادتها؟
لكن ماذا حدث بعد تلك المعركة؟

القوات السعودية تدخلت عسكرياً، وضربت قوات جنوبية تتبع المجلس الانتقالي.
مشهد صادم.
ليس لأن الجنوب اعتاد الحروب، بل لأن كثيرين كانوا يعتبرون الرياض حليفاً لا طرفاً مباشراً في الصراع.

ثم ماذا؟
أصرت الرياض على حضور وفد من الانتقالي إلى السعودية “للتفاهم”.
ذهب الوفد، لكن قبل إقلاع الطائرة حدث ما يشبه الروايات الغامضة.
الرئيس عيدروس الزبيدي تردد، ثم اختفى عن المشهد.
البعض قال إنه في الجبال، وآخرون قالوا في الإمارات.
ولا أحد يملك الحقيقة الكاملة.

ثم ماذا؟
جاءت الضربة الأقسى.
القوات الجوية السعودية استهدفت قرية الزبيدي، وسقط شهداء من أبناء القرية.

هنا أسأل نفسي:
كيف وصلنا إلى هذه اللحظة؟
كيف أصبح الجنوبي يُقصف لأنه جنوبي؟
وكيف تحولت العلاقة من “تحالف” إلى لغة طائرات وصواريخ؟

ثم ماذا حدث؟
الوفد وصل الرياض.
تم التحقيق معه.
مُنعت الهواتف.
ثم نُقلوا إلى الفندق.
وبعدها بدأت الضغوط لإعلان حل الانتقالي.

لكن… هل انتهى الأمر هنا؟
لا.
الشارع الجنوبي خرج غاضباً.
مليونيات، بيانات، أصوات ترفض حل الانتقالي، وتتمسك بالتفويض الشعبي للرئيس عيدروس الزبيدي.
وهنا بدأت الحيرة الحقيقية.
إذا كان الانتقالي قد انتهى كما يقول البعض، فلماذا كل هذا الخوف منه؟
ولماذا كل هذا الإصرار على إقصائه؟
ولماذا تصر الرياض على إعادة تشكيل المشهد الجنوبي بالكامل؟

ثم أعلنت السعودية حكومة جديدة، وهيكلة جديدة لمجلس القيادة الرئاسي.
وقالت إن هناك “حواراً جنوبياً جنوبياً” سيقام في الرياض.

وهنا أسأل نفسي مرة أخرى:
كيف يكون الحوار جنوبياً… لكنه خارج الجنوب؟
وكيف يكون جنوبياً… بينما نتائجه تبدو جاهزة مسبقاً؟
ألسنا قد تحاورنا سابقاً؟

كان هناك لقاء تشاوري جنوبي، خرج بميثاق وطني جنوبي غير مسبوق في تاريخ الجنوب.
حدد شكل الدولة القادمة، والفيدرالية، وخصوصية كل إقليم، والثروة، واللغة، والوظائف، والشراكة السياسية.
إذاً لماذا نعود إلى نقطة الصفر؟

يقولون: “الحوار ظاهرة حضارية”.
أتفق.
لكن الحوار الحقيقي لا يبدأ بإلغاء ما سبق، ولا بمعاقبة طرف لأنه يمتلك حضوراً شعبياً.
ثم أسمع من يقول:
“اذهبوا إلى الحوار واطرحوا رأيكم”.

لكنني أسأل:
أي رأي؟
وأي حوار؟
إذا كانت الرياض هي من تحدد السقف، والمكان، والأطراف، وحتى النتائج؟
أليست هذه هي المشكلة أساساً؟
القضية لم تعد بين الجنوبيين أنفسهم فقط، بل أصبحت بين الجنوب والقرار السعودي.

وهنا أصل إلى السؤال الأخطر:
هل ما زلنا أصحاب قرار؟
أم أصبحنا مجرد تفاصيل داخل مشروع إقليمي أكبر منا جميعاً؟
عندما ضربت السعودية القوات الجنوبية قالت إن ذلك يتعلق بأمنها القومي.

لكن كيف نفهم هذا الكلام؟
حضرموت أرض جنوبية خالصة.
ولم يهدد أحد السعودية.
بل إن القيادات الجنوبية كانت دائماً تقول إن الجنوب عمق استراتيجي للرياض.
إذاً لماذا يُعامل الجنوب اليوم كتهديد؟

ثم أسمع أصواتاً تقول:
“لا مفر من حوار الرياض”.
“السعودية وضعت ثقلها السياسي والعسكري”.
“لا تستطيعون فعل شيء”.

لكنني أتوقف هنا وأسأل:
هل يُخاطب شعب الجنوب بهذه اللغة؟
هذا الشعب الذي هزم مشاريع أكبر منه؟
الذي واجه نظام عفاش، ثم الحوثيين، ثم الإرهاب؟
هل يُطلب منه اليوم فقط أن يسلّم إرادته؟

يقول البعض:
“سايروا المرحلة”.
لكن كيف يساير الإنسان مرحلة يشعر فيها أن تضحيات عشرين عاماً تُسحب منه بهدوء؟
كيف يساير أمّاً فقدت ابنها؟
أو جريحاً فقد قدمه؟
أو شعباً ظن أنه اقترب من استعادة دولته؟

ثم يأتي الاتهام الجاهز:
“عيدروس هو السبب… والانتقالي هو السبب”.
حسناً.
إذا كان الأمر كذلك، فأين البديل؟
إذا كانت الرياض ستأتي بالجنوب كما يقول البعض، فليتفضلوا.
ليصنعوا مشروعاً وطنياً حقيقياً.
ليواجهوا الشارع.
ليأخذوا التفويض الشعبي.
لكن ما يحدث اليوم يبدو مختلفاً.
مجالس تنسيق للمحافظات.
تفكيك للقوى السياسية.
محاولة صناعة واقع مناطقي لا وطني.
حوار على المقاس.
وجنوب يتشظى قطعة قطعة.

ثم يقولون:
“السعودية ستصلح الاقتصاد”.

وأعود لأسأل نفسي:
إذا كانت النوايا صادقة، فلماذا لا يصل نفط حضرموت إلى كهرباء عدن؟
ولماذا يعيش الناس هذا الانهيار المرعب في الخدمات؟
ولماذا يشعر المواطن أن الضغط الاقتصادي صار وسيلة سياسية؟

الا ترى ياصديقي أن المشهد جنوبا سيصبح طالبان الجنوب مقابلة مشهد في الشمال شيعة
هذا هو الحريق القادم والمخطط بعيد عن الوطنية والحمهورية والدولة واستعادة الجنوب مستقل ؟

في النهاية أصل إلى قناعة واحدة:
لا أحد يستطيع أن يقنع شعباً بأن وطنه يُمنح من الخارج.
الأوطان لا تُسلّم بالمجاملات.
ولا تُصنع في الفنادق.
ولا تُفرض بالضغوط.
الأوطان تنتزع بإرادة الناس.

بصبرهم.
وبقدرتهم على التمسك بحقهم مهما اشتدت العواصف.
وربما لهذا السبب تحديداً…
لا يزال الجنوب حتى اليوم قضية حيّة، رغم كل شيء