عرب وعالم

الجمعة - 17 أبريل 2026 - الساعة 12:46 م بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


أعرب الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تفاؤل واضح بإمكانية التوصل إلى اتفاق قريب ينهي الحرب مع إيران، في تصريحات تعكس تحولًا محتملًا في مسار أحد أكثر الصراعات تعقيدًا في الشرق الأوسط خلال الأشهر الأخيرة. غير أن هذا التفاؤل، رغم زخمه السياسي والإعلامي، لا يلغي احتمال التعثر أو ما يمكن وصفه بـ“النكسة”، في ظل تشابك الملفات العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية المرتبطة بالأزمة.

وقال ترامب إن المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران قد تُستأنف أو تُعقد مطلع الأسبوع المقبل، مرجحًا أن يشهد هذا اللقاء تقدمًا حاسمًا نحو اتفاق نهائي.

وأكد أن تمديد وقف إطلاق النار، الذي اتُفق على أن يكون لمدة أسبوعين، قد يكون خيارًا مطروحًا، لكنه ليس ضروريًا إذا استمرت طهران في إظهار مرونة سياسية.

وأضاف في تصريحاته أمام الصحفيين خارج البيت الأبيض “نحن قريبون جدًا من التوصل إلى اتفاق مع إيران”، مشيرًا إلى احتمال توقيع الاتفاق في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، مع إبداء استعداده لحضور مراسم التوقيع إذا تحققت.

لكن رغم هذه النبرة الإيجابية، فإن مسار الأحداث لا يزال مفتوحًا على احتمالات معاكسة، إذ تشير التجربة التاريخية للمفاوضات بين واشنطن وطهران إلى أن الاتفاقات غالبًا ما تواجه تعثرًا في اللحظات الأخيرة نتيجة الخلافات التقنية أو التطورات الميدانية أو الضغوط السياسية الداخلية في كلا البلدين.

وبعد ساعات من تصريحاته الأولى، عاد ترامب ليؤكد في كلمة ألقاها خلال زيارة إلى لاس فيغاس أن الحرب “سوف تنتهي قريبًا”، في إشارة إلى ثقته بأن المسار الدبلوماسي بات أكثر رسوخًا.

إلا أن هذه الثقة تصطدم بواقع سياسي داخلي معقد في الولايات المتحدة، حيث لا تحظى الحرب على إيران بإجماع سياسي، وتثير انقسامات داخل المؤسسة السياسية، خاصة مع اقتراب استحقاقات انتخابية مهمة قد تعيد تشكيل ميزان القوى في واشنطن.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الأسواق العالمية حالة ترقب حذر، بعد أن أدى التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى إلى اضطراب واسع في أسواق الطاقة.

وارتفعت أسعار النفط بشكل حاد خلال الأسابيع الماضية، قبل أن تبدأ بالتراجع تدريجيًا مع تزايد الحديث عن قرب التوصل إلى اتفاق، ما دفع صندوق النقد الدولي إلى خفض توقعاته للنمو العالمي، محذرًا من أن استمرار الصراع قد يهدد الاقتصاد العالمي بدخول مرحلة ركود.

وفي المقابل، تشير المعطيات الدبلوماسية إلى أن قنوات التفاوض لم تُغلق، بل تشهد نشاطًا مكثفًا خلف الكواليس.

وأفاد مصدر باكستاني مشارك في الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران بأن هناك تقدمًا ملحوظًا في المحادثات الجارية، وأن الطرفين يتجهان نحو توقيع مذكرة تفاهم أولية تليها اتفاقية شاملة خلال فترة قد تصل إلى 60 يومًا.

وبحسب المصدر، فإن الاتفاق الإطاري سيُبنى على تفاهمات عامة، على أن تُترك التفاصيل الفنية الحساسة للمرحلة اللاحقة من التفاوض.

كما أشار مصدر دبلوماسي آخر إلى أن الوساطة الباكستانية، التي يقودها قائد الجيش عاصم منير، لعبت دورًا مهمًا في تقريب وجهات النظر، خاصة في القضايا الشائكة التي كانت تعرقل التفاهم بين الطرفين.

وقد شملت هذه الجهود لقاءات غير معلنة في طهران، ساهمت في تخفيف بعض نقاط الخلاف، وفتحت الباب أمام إمكانية تحقيق اختراق دبلوماسي.

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، تبقى احتمالات “النكسة” قائمة، نظرًا لوجود ملفات جوهرية لا تزال محل خلاف عميق. في مقدمة هذه الملفات البرنامج النووي الإيراني، حيث تطالب واشنطن بتجميد كامل للأنشطة النووية لفترة تصل إلى 20 عامًا، بينما تقترح طهران تعليقًا محدودًا يتراوح بين ثلاث وخمس سنوات فقط، وهو فارق زمني يعكس اختلافًا جوهريًا في الرؤية الاستراتيجية للطرفين.

كما تبرز قضية نقل اليورانيوم عالي التخصيب خارج إيران كإحدى أكثر النقاط حساسية في المفاوضات، إذ تعتبرها واشنطن شرطًا أساسيًا لضمان عدم تحول البرنامج النووي الإيراني إلى مسار عسكري.

و في المقابل، تبدي طهران تحفظًا شديدًا على هذا المطلب، رغم وجود مؤشرات على استعدادها لمناقشة حلول وسط تتعلق بتخزين أو إعادة توزيع جزء من المخزون خارج البلاد ضمن ترتيبات دولية محددة.

ولا يمكن فصل هذه التطورات عن المشهد الإقليمي الأوسع، حيث لا تزال عدة جبهات متوترة تشكل ضغطًا مباشرًا على مسار المفاوضات.

وفي لبنان، دخل وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله حيز التنفيذ، لكنه تعرض بالفعل لخروقات محدودة، ما يعكس هشاشة الوضع الميداني وصعوبة تثبيت التهدئة في بيئة إقليمية شديدة التوتر.

كما أن استمرار إغلاق مضيق هرمز أمام جزء كبير من حركة الملاحة يضيف عنصرًا بالغ الخطورة إلى المشهد، إذ يمثل المضيق شريانًا رئيسيًا يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط والغاز العالمية.

وقد أدى هذا الإغلاق إلى اضطراب كبير في سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، رغم تسجيل تراجع نسبي في أسعار النفط مؤخرًا نتيجة التفاؤل بشأن احتمالات التوصل إلى اتفاق.

وفي محاولة لاحتواء هذا الوضع، تتحرك فرنسا وبريطانيا، إلى جانب نحو 40 دولة، لبحث إمكانية تشكيل مهمة دولية مستقبلية لتأمين الملاحة في مضيق هرمز بعد انتهاء الصراع.

ويعكس هذا التحرك الأوروبي رغبة في لعب دور أكثر استقلالية عن الولايات المتحدة، مع التركيز على مرحلة ما بعد الحرب، بدلًا من الانخراط المباشر في العمليات الجارية.

وتشير هذه المبادرة إلى إدراك متزايد لدى القوى الدولية بأن أي اتفاق سياسي بين واشنطن وطهران لن يكون كافيًا بمفرده لضمان الاستقرار، ما لم يُرفق بترتيبات أمنية في المناطق الحساسة، خصوصًا الممرات البحرية الحيوية وأسواق الطاقة العالمية.

وتبدو تصريحات ترامب حول قرب انتهاء الحرب تعبيرًا عن نافذة دبلوماسية مفتوحة، لكنها ليست ضمانًا لنجاح المسار التفاوضي.

وبين التفاؤل السياسي والواقع الميداني، تقف مجموعة من العوامل المعقدة التي قد تدفع نحو التسوية أو تعيد الأمور إلى نقطة الصفر.

ومع استمرار التباين في المواقف حول الملفات النووية والإقليمية، يبقى احتمال “النكسة” حاضرًا بقوة، ما يجعل المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان الشرق الأوسط يتجه نحو تهدئة حقيقية أم نحو جولة جديدة من التصعيد.