أخبار وتقارير

الأحد - 12 أبريل 2026 - الساعة 11:26 ص بتوقيت اليمن ،،،

أسامة عمر علي


كلما تجدد الجدل حول أموال المودعين لدى بعض الصرافين، تتأكد الحاجة إلى إعادة المسألة إلى أساسها القانوني؛ وبيان ما يجب:

المشكلة لا تبدأ من إفلاس الصراف، بل من الأصل الذي نشأت عليه هذه العلاقة، لأن القانون اليمني فرّق بوضوح بين العمل المصرفي وبين أعمال الصرافة، ولم يترك هذا الأمر للاجتهاد أو للتسميات المتداولة.

فقانون البنوك رقم (38) لسنة 1998م عرّف العمل المصرفي في المادة (2) بأنه: قبول الودائع النقدية القابلة للدفع عند الطلب أو حسب ترتيبات أخرى، ثم جاء في المادة (5) ليحظر على كل شخص مزاولة العمل المصرفي إلا بترخيص من البنك المركزي، وأكدت المادة (7) حق البنك المركزي في فحص دفاتر وحسابات وسجلات من يشتبه في ممارسته العمل المصرفي بدون ترخيص، واعتبرت رفض تقديمها قرينة على المخالفة، ثم قررت المادة (64) أنه إذا خالف أي شخص هذا الحظر فإنه يُمنع من مزاولة الأعمال المصرفية وتُصادر إداريًا ما بحوزته من أوراق تجارية ومالية ونقود بقرار من البنك المركزي.

وفي المقابل، فإن قانون تنظيم أعمال الصرافة رقم (19) لسنة 1995م لم يمنح الصراف هذه الصلاحية أصلًا، بل حصر أعماله في المادة (14) في: شراء وبيع النقد الأجنبي، وقبول التحويلات، وبعض العمليات المحددة، وهو ما يؤكد أن نطاق عمل الصرافة محدد ومقيد، ولا يمتد إلى تلقي الأموال على شكل ودائع أو حسابات ودون ترخيص من البنك المركزي.

ومعنى ذلك أن الأموال التي أودعها الناس لدى بعض الصرافين بوصفها “حسابات” لم تكن تستند – من حيث الأصل – إلى وصف مصرفي مشروع، ولا إلى حماية قانونية مساوية لودائع البنوك، لأن العبرة ليست بالاسم، بل بطبيعة النشاط والترخيص.

وهنا بيت القصيد: البنك المركزي – وفق القانون – لم يكن مجرد جهة رقابة، بل كان يمتلك أدوات قانونية صارمة جوازية، تبدأ من الفحص والمنع، وتصل إلى المصادرة الإدارية للأموال المتحصلة من نشاط مصرفي غير مرخص وفق المادة (64)؛ ومع ذلك، لم يُقدم مباشرة على هذا المسار الأشد، بل أصدر عديدًا من التحذيرات العلنية للمواطنين بعدم إيداع أموالهم لدى الصرافين، والتنبيه إلى مخاطر ذلك, وبالتالي، فإن تصوير الأمر وكأن البنك كان ملزمًا لاحقًا بضمان هذه الأموال، فيه تجاهل لحقيقة أنه كان يملك حق المصادرة ابتداءً، واختار مسار التحذير والتنبيه قبل الوصول للإجراءات الأشد.

نصيحة واقعية وصريحة:
في حالات التعثر أو الإفلاس، ليس كل دائن سيحصل على كامل حقه دفعة واحدة، وهذه حقيقة قانونية ومالية؛ الحل العملي العادل غالبًا يكون عبر:

البدء بصغار المودعين وحمايتهم قدر الإمكان، لأن هذه الفئة تحديدًا غالبًا ما تمثل مدخراتها كل ما تملك، وقد تكون حصيلة سنوات من العمل أو مصدر أمانها الوحيد، وبالتالي فإن فقدانها لا يعني خسارة مالية فقط، بل انهيارًا مباشرًا في مستوى المعيشة والاستقرار

ثم توزيع نسب متفاوتة على المودعين المتوسطين

ثم الكبار وفق قدرة الأصول المتاحة..

لأن حصول الإنسان على جزء من حقه اليوم، خير من أن لا يحصل على شيء غدًا.

كما أن من المهم أن نعي حقيقة أن: جزء كبير من هذه الأزمات لم ينشأ من فراغ، بل نتيجة دخول بعض شركات الصرافة في استثمارات غير مدروسة أو غير مُدارة بشكل سليم، أو توظيف أموال العملاء في أنشطة تتجاوز طبيعة عملها المرخص، دون وجود أنظمة حوكمة أو إدارة مخاطر حقيقية، الأمر الذي أدى إلى تعريض أموال الناس لمخاطر جسيمة خارج الإطار القانوني المنظم.

وأن الهروب بالأموال، أو إنكارها، أو التلاعب بها، فليس حلًا لا قانونًا ولا شرعًا: فهي حقوق في الذمة أمام الله قبل أن تكون أمام القضاء، كما أنها – من الناحية القانونية – تمثل ديونًا قائمة لا تسقط إلا بالسداد أو الإبراء، وتخضع لأحكام المسؤولية المدنية والجزائية بحسب الأحوال.

وشركات الصرافة – في الغالب – تتخذ شكل شركات تضامن أو أشكالًا قريبة منها، وهو ما يخضع لأحكام قانون الشركات التجارية رقم (22) لسنة 1997م، والذي قرر في نصوصه أن الشركاء في شركة التضامن مسؤولون بالتضامن في جميع أموالهم عن ديون الشركة والتزاماتها، بحيث لا تقتصر المسؤولية على أموال الشركة؛ بل تمتد إلى الذمة المالية الخاصة لكل شريك، ويجوز للدائنين الرجوع على أي منهم بكامل الدين.

ولا يجوز قانونًا تهريب الأموال أو نقلها أو إخفاؤها بقصد الإضرار بالدائنين أو التحايل عليهم، لأن ذلك يُعد من قبيل التصرفات الضارة بالدائنين التي تجيز الطعن فيها وصوريتها وعدم نفاذها في مواجهتهم، فضلًا عما قد يشكله ذلك من أفعال معاقب عليها إذا اقترنت بسوء نية أو غش، خاصة إذا تم التصرف في الأموال بعد نشوء الالتزامات.

وأي عقود صورية، أو نقل أموال لأقارب، أو إنشاء واجهات صورية لإخفاء الأموال، لا تنتج أثرًا قانونيًا في مواجهة الدائنين، إذ إن الصورية – وفق القواعد العامة في القانون المدني وقانون الشركات – لا يحتج بها على الغير حسن النية، كما أن مثل هذه التصرفات قد تعد قرائن على سوء النية، وتُبطل أو يُقضى بعدم نفاذها حمايةً لحقوق الدائنين.

وأخيرًا، فإن هذه التجارب القاسية يجب ألا تمر دون استخلاص الدروس: فالمطلوب ليس فقط المطالبة بالحقوق، بل أيضًا إعادة التفكير في البيئة المالية ككل، عبر تشجيع العرافين على إنشاء كيانات مصرفية منظمة وخاضعة للرقابة، أو حتى تكتلات مالية بينهم أكثر انضباطًا وشفافية، وفق الأطر التي رسمها القانون، بما يضمن حماية المدخرات واستقرار التعاملات؛ بدل ترك أموال الناس عرضة لأنشطة غير منظمة أو خارج الإطار القانوني.

أسامة عمر علي