منوعات

الثلاثاء - 07 أبريل 2026 - الساعة 06:11 م بتوقيت اليمن ،،،

محمد الصالحين الهوني


أطلق فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، تحذيرا غير مسبوق مفاده أن العالم يقف على أعتاب أزمة طاقة قد تُسجَّل في التاريخ تحت عنوان “أبريل الأسود”. فإغلاق إيران لمضيق هرمز، إثر المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لم يقتصر على تعطيل تدفق النفط والغاز الطبيعي المسال، بل أصاب شرايين الاقتصاد العالمي بالشلل، من الأسمدة والبتروكيماويات إلى الهليوم والمواد الأولية التي تغذي الصناعات المتقدمة.

الانقطاع المفاجئ يضع الأسواق أمام صدمة غير مسبوقة. أسعار النفط تقفز إلى مستويات قياسية، شركات الطيران تعيد حساباتها، والمصانع في آسيا وأوروبا تواجه شبح التوقف. لكن خلف هذه الصورة القاتمة تكمن فرصة تاريخية لإعادة رسم خريطة الطاقة العالمية، فرصة قد تدفع الدول إلى تسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة والنووية، وتحرير نفسها من رهائن الجغرافيا السياسية.

إغلاق مضيق هرمز يعني عمليا تعطيل نحو خُمس تجارة النفط العالمية، إضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال. النتيجة الفورية هي ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة، وقفز أسعار الغاز المسال بنسبة كبيرة خلال أسابيع قليلة. هذه الزيادات لا تقتصر على قطاع الطاقة، بل تمتد إلى كل مفاصل الاقتصاد العالمي. التضخم يرتفع بشكل حاد، تكاليف النقل والإنتاج تتضاعف، وأسعار السلع الأساسية تقفز في الأسواق. الأسواق المستوردة للطاقة، مثل أوروبا واليابان والهند، تواجه خطر الانكماش مع تراجع القدرة الشرائية وتباطؤ الاستثمار. أما الأسواق المالية فتتأرجح تحت ضغط تقلبات أسعار الطاقة، فيما تتزايد مخاطر الديون السيادية في الدول النامية.

أوروبا، التي لم تتعافَ بعد من أزمة الغاز الروسي، تجد نفسها أمام اختبار جديد. ارتفاع أسعار الطاقة يهدد الصناعات الثقيلة من الصلب إلى الكيماويات، ويضغط على ميزانيات الأسر. الحكومات الأوروبية مضطرة إلى ضخ مليارات إضافية لدعم المستهلكين والشركات، مما يزيد من عجز الموازنات. في آسيا، حيث تعتمد اقتصادات مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند على واردات الطاقة من الخليج، تبدو الأزمة أكثر خطورة. ارتفاع أسعار الطاقة يهدد تنافسية الصناعات التصديرية، ويزيد من مخاطر التضخم المستورد. الصين، أكبر مستورد للطاقة في العالم، تواجه معضلة مزدوجة: تأمين الإمدادات من جهة، وتسريع التحول الطاقي من جهة أخرى.

حتى الولايات المتحدة، رغم كونها أكبر منتج للنفط والغاز في العالم، ليست بمنأى عن الأزمة. أسعار الطاقة العالمية تؤثر على أسواقها الداخلية، وتضغط على المستهلكين والشركات. كما أن دورها كضامن لأمن الطاقة العالمي يضعها في مواجهة مباشرة مع التحديات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. لكن في المقابل، الأزمة تمنحها فرصة لتعزيز مكانتها في سوق الطاقة البديلة، من خلال الاستثمار في السيارات الكهربائية والهيدروجين الأخضر، وتوسيع صادرات الغاز المسال إلى أوروبا وآسيا.

رغم قسوة الأزمة، فإنها قد تكون نقطة انعطاف تاريخية. بيرول نفسه يرى أن هذه الحرب ستؤدي في نهاية المطاف إلى تسريع تطوير الطاقات المتجددة والنووية. العالم، الذي طالما تحدث عن التحول الطاقي، يجد نفسه اليوم أمام لحظة إكراه: إما أن يواصل الارتهان لممرات بحرية هشة وصراعات جيوسياسية، أو أن يستثمر بجدية في بناء نظام طاقي أكثر استدامة وعدلا.

الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لم تعودا مجرد مشروعين تجريبيين، بل أصبحتا قادرتين على تغذية شبكات واسعة. الطاقة النووية، التي كانت مثار جدل سياسي وأمني، تعود اليوم إلى الواجهة كخيار إستراتيجي لتأمين إمدادات مستقرة. وحتى السيارات الكهربائية، التي كانت تُعتبر رفاهية، تتحول إلى ضرورة لتقليص الاعتماد على النفط. الهيدروجين الأخضر، الذي كان حلما بعيد المنال، أصبح محورا رئيسيا في خطط التحول الطاقي، مع استثمارات بمليارات الدولارات في ألمانيا والسعودية وأستراليا.

الأزمة الحالية قد تعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي. الدول التي تستثمر بجرأة في الطاقات البديلة ستكسب ميزة تنافسية طويلة الأمد، بينما الدول التي تظل رهينة النفط والغاز ستواجه مخاطر متزايدة. أوروبا، إذا نجحت في تسريع التحول الطاقي، قد تتحول إلى مركز عالمي للطاقة النظيفة. الصين، باستثماراتها الضخمة في الطاقة الشمسية والبطاريات، قد تمنح نفسها موقع الريادة في الاقتصاد الجديد. الولايات المتحدة، بفضل قوتها التكنولوجية والمالية، يمكن أن تقود الابتكار في الهيدروجين والسيارات الكهربائية. أما الشرق الأوسط فهو أمام خيار مصيري: إما البقاء رهينة النفط، أو الاستثمار في الطاقة المتجددة لتأمين موقع مستدام في الاقتصاد العالمي.

لكن التحول الطاقي ليس مجرد مسألة اقتصادية، بل هو أيضا مسألة اجتماعية وسياسية. ارتفاع أسعار الطاقة يهدد الاستقرار السياسي في العديد من الدول، حيث يواجه المواطنون ضغوطا متزايدة على ميزانياتهم. الحكومات، التي تجد نفسها مضطرة إلى دعم المستهلكين، تواجه تحديات مالية قد تؤدي إلى اضطرابات اجتماعية. في المقابل، الاستثمار في الطاقات البديلة يمكن أن يخلق فرص عمل جديدة، ويعزز العدالة الطاقية، ويمنح المجتمعات شعورا أكبر بالأمان والاستقرار.

“أبريل أسود” سيترك خلفه رسالتين. الرسالة الأولى هي تحذير صارخ: الاعتماد المفرط على النفط والغاز من مناطق مضطربة يهدد استقرار النمو العالمي. الرسالة الثانية هي دعوة إلى قراءة الأزمة كفرصة: فرصة لإعادة بناء نظام اقتصادي أكثر استدامة، يوازن بين الأمن الطاقي والنمو، ويحرر العالم من رهائن الجغرافيا السياسية.

الأزمات الكبرى غالبا ما تكون محركات للتحولات الكبرى. أزمة النفط في السبعينات دفعت العالم إلى التفكير في كفاءة الطاقة. أزمة الغاز في 2022 سرّعت البحث عن بدائل للوقود الأحفوري. واليوم، “أبريل أسود” قد يكون الشرارة التي تدفع العالم إلى إعادة رسم خريطة الاقتصاد بالكامل.

التحذير الذي أطلقه فاتح بيرول يجب أن يُقرأ ليس فقط كجرس إنذار، بل كدعوة إلى العمل. فالعالم، إذا أراد أن يتجنب تكرار هذه الصدمات، عليه أن يستثمر بجرأة في الطاقات المتجددة والنووية، وأن يبني نظاما اقتصاديّا أكثر عدلا واستدامة. عندها فقط، يمكن أن تتحول الأزمة من لعنة إلى فرصة، ومن تهديد إلى بداية عهد جديد للنمو العالمي.

إن “أبريل أسود” قد يكون بداية مرحلة جديدة، يدرك خلالها العالم أن أمن الطاقة ليس مجرد مسألة اقتصادية، بل هو أساس الاستقرار السياسي والاجتماعي. إذا نجح العالم في استثمار هذه اللحظة، فقد تكون الأزمة الحالية نقطة الانطلاق نحو نظام طاقي أكثر استدامة، ونحو اقتصاد عالمي أكثر عدلا وتوازنا.

رئيس تحرير صحيفة العرب