الخميس - 09 يوليو 2026 - الساعة 12:29 م
كانت زيارتي الأخيرة للاخ اللواء بحري صالح عبد الله الصري يوم أمس الأول (الجمعة ٣ يوليو ٢٠٢٦م)، مختلفةً عن كل زياراتي السابقة القليلة له، منذ تعرُّضهِ لحالة ضمور المخيخ قبل حوالي ٨ سنوات.
لم أستطع أن أغالب حزني أو أن أمنع دموعي من الانهمار، وأنا أشاهد هذا الفارس الهُمام يقف عاجزًا عن الكلام والحركة وجميع الاستجابات البدنية والعاطفية، هذا العملاق الذي جاب الصحاري والهضاب والشواطئ والبحار والخلجان الجنوبية واليمنية طوال ما يقارب الأربعين عامًا منذ التحاقه بالقوات المسلحة الجنوبية مطلع الستينات حتى منتصف التسعينات مدافعًا عن ثرى الوطن وسيادته وسؤدده وعن كرامة الانسان فيه، يقف اليوم مواجهًا لعدوٍ يختلف كليةً عن الاعداء الذين تعود على مواجهتهم.
كان البطل صالح بن عبد الصري مقاتلًا شجاعًا في وجه اعداء الوطن، لكنه كان رحيمًا عطوفًا ودودًا مع البسطاء والمقهورين، ومع جميع أبناء الوطن ممن يعرفهم أو لا يعرفهم ، وفي كل التحديات التي خاضها مع رفاقه وزملائه من أبطال القوات المسلحة والأمن الجنوبيين كان أبو جابر يجمع بين الشدة مع العدو وبين اللين والرقة والعاطفة العالية مع أبناء وطنه، وتلك هي صفة الشجعان الأباة الشرفاء، أما الشراسة والخشونة وحدها فقد لا تعبر بالضرورة عن الشجاعة والإباء.
منذ نحو ثمان سنوات، كما ألمحت، بدت على القائد العسكري صالح عبد الصري بدايات اعراض الإصابة بضمور المخيخ، وهو ما أكدته التشخيصات الكلينيكية اللاحقة، وقد نصحه الأطباء بمجموعة من الاجراءات الوقائية، منها تعاطي أدوية صيدلانية، ومنها ممارسة بعض التمارين الفيزوثرابية (الجسدية والذهنية) وجرت محاولات عديدة للبحث له عن منحة علاجية يمكن أن تساعده على الاستشفاء من هذه الحالة الخطيرة التي تؤدي إلى فقدان توازن الجسم والضعف التدريجي للحركات الإرادية.
والشاهد هنا أن أخانا وزميلنا القائد الكبير ومنذ تعرضه للحالة وهو قائد عسكري متميز بالوفاء والاباء والانتماء للوطن وبالنزاهة والصدق والشرف والعفة وعزة النفس ونظافة اليد والضمير لم يشكُ حالته لأحد لكن بعض المبادرين الأوفياء قدموا أوراقه الى رئاسة الجمهورية وإلى وزارة الدفاع اليمنية بيد إن استجابةً واحدةً لم تصدر عن أيٍ من هذه الأطراف، ويعتقد البعض أنه قد جرت معاملة هذا الرجل باعتباره، من (أعداء الوطن)، كما تعودنا من قاموس الثقافة السياسية لسلطة منتصري ٧/٧ حتى وهم قد نزحوا خارج الوطن الذي رفضهم أهله، بينما ما يزال هذا المناضل محسوبًا على الصف المهزوم في حرب 94 م اللعينة.
لقد بقيت أوراق الرجل مطوية في دهاليز وزارة الدفاع ومكتب رئاسة الجمهورية حتى غادر الوزير وزارته وغادر الرئيس عبد ربه منصور موقعه، وغادر مدير مكتبه موقعه هو الآخر ليترقى إلى مكانة أعلى.
لقد شكلت حكومات عديدة واستبدل وزراء بآخرين وسافرت وفودٌ رسمية وتحركت طائرات السلطة (الشرعية) إلى مختلف القارات لكن أوراق هذا المناضل الشريف لم تجد وفدًا ولا طائرةً تنقلها من مكتب مدير مكتب رئيس الجمهورية إلى مكتب فخامة الرئيس عبد ربه منصور هادي عليه رحمة الله، الزميل التاريخي لأخينا المريض، ولذلك فقدنا الرهان على الرئيس الشرعي المحترم، بسبب من يديرون مكتبه ويسيطرون على صناعة قراراته.
أما الرئيس (الفلتة) رشاد العليمي الذي فشل في أبسط واجباته الروتينية، فلا يمكن الرهان عليه بان يعالج مشكلة مناضل من مؤسسي القوات المسلحة الجنوبيةواحد قادة القوات المسلحة اليمنية بعد العام ١٩٩٠م حيث شغل منصب قائد قوات الدفاع الساحلي للجمهورية اليمنية حتى تاريخ ٧/٧/٩٤م بينما كان قبلها قائدا للدفاع الساحلي للقوات البحرية لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.
كل المحزن في ماساة القائد البطل صالح عبد الصُرِّي ليس المرض الذي هو مقدر لكل كائن حي، وفي المقدمة الإنسان، لكن المؤلم أن الطارئين اليوم يحظون برعاية وعناية وإمكانيات تفوق عشرات المرات من حاجة من هم أمثال اللواء صالح الصري بينما لا يمكن الحديث عن أي منجز أو خدمة يمكن أن يكونوا قدموها للجنوب ولا حتى للشمال، مقارنة مع ما قدمه اخونا القائد الصري وأبناء جيله.
إن الطارئين لا يقراون التاريخ ولا يتعلمون من أخلاقيات المناضلين ولا يفكرون بعقلية البشر ولا بماذا سيقدمون لابناء هذا الوطن، فالطارئ يعلم أن وجوده مؤقتٌ، لذلك لا ينشغل إلَّا بما سيكسب من خلال فرصة وجوده في هذه السلطة البائسة، لينصرف بعد ذلك إلى حيث لا يعلم أحد، أما الشرفاء فإن كل رصيدهم وثرواتهم تنحصر في القيم الأخلاقية والمعنوية التي تركوها في سجلهم التاريخي، فقد عاشو كرماء شرفاء ابرار اوفياء مخلصين في تاريخهم وان خرجوا من السلطة لا يملكون الا ثروة السمعة الحسنة التي يحظون بها بين ابناء وطنهم الشرفاء.
صالح عبد الصري ليس حالةً فردية، لكنه يقدم المثال الأكثر فجاجةً وبشاعةً في تعامل سلطات 94 وما بعد 2022 مع شرفاء الجنوب وكوادره وقياداته الأصيلة.
صالح الصري هو زميل المرحوم العميد حسين امجلد والمرحوم الفقيد عبد القوي حسين القحيم والقائد السفير اللواء احمد عبد الله الحسني والفقيد علي قاسم طالب وعشرات القاده الأبطال الذين اسسوا القوى البحرية وأوصلوها الى ما وصلت إليه من مجدٍ وقوةٍ، قبل أن تتحول إلى ركام من الخرائب على أيدي جماعات الغزو والعدوان منذ 94 حتى 2015 وما بعدها وحتى اليوم.
لك السلامه أيها البطل العزيز وابتهالي الى الله العلي القدير أن يعينك على محنتك وان يمنحك الصبر والجلد ويعافيك ويشفيك،
ولتبقَ مثالاً للقائد الوطني الشريف النزيه العفيف المتسامي على صغائر الحياة الدنيا وتوافه الامور بقشورها الزائفة.
إنني أدعو الأجيال الجديدة أن تتعلم من جيل صالح عبد معاني الانتماء والفداء والتضحية وحب الوطن والانتماء الى طبقاته وفئاته الاجتماعية الكادحة صانعة الخيرات والأمجاد على مر الأزمنة.
________
* المناضل صالح عبد الصري ينتمي إلى منطقة خيرة، مديرية ردفان ، حيث الدائرة الانتخابية للزميل الدكتور ناصر الخبجي عضو مجلس النواب، والقيادي في المجلس الانتقالي الجنوبي.