عرب وعالم

الأحد - 18 أكتوبر 2026 - الساعة 03:21 م بتوقيت اليمن ،،،


تفتح القاهرة بابًا جديدًا في تعاملها مع التصعيد العسكري الذي يستهدف السعودية، بعدما أعلن مجلس الدفاع الوطني المصري تقديم «كافة أشكال الدعم اللازمة والممكنة» للمملكة، وذبك في انتظار قرار حاسم من جلسة البرلمان اليوم الأحد، بالتوازي مع تأكيد الرئيس عبدالفتاح السيسي استعداد بلاده لاتخاذ الإجراءات الضرورية للدفاع عنها إذا طُلب منها ذلك.

ويضع هذا الموقف الدور المصري أمام اختبار إقليمي يتجاوز التضامن السياسي إلى التسؤل إن كانت القاهرة قد خطت بهذا الموقف أولى خطوات تثبيت مشاركتها في حرب اليمن.

وجاء إعلان المجلس، عقب اجتماع ترأسه السيسي الأحد، ليجمع بين مسارين متوازيين: الاستعداد لتقديم الدعم للرياض، ومواصلة الجهود السياسية والدبلوماسية بالتنسيق مع الأطراف الإقليمية والدولية لخفض التصعيد وتسوية الأزمات بالوسائل السلمية. وتعكس هذه الصياغة رغبة القاهرة في إبقاء خياراتها مفتوحة، مع تجنب إعلان التزام عسكري محدد قبل اتضاح طبيعة الطلب السعودي المحتمل وحدود الاستجابة المصرية.

وكان السيسي قد قال السبت إن مصر ستتخذ أي إجراءات ضرورية للدفاع عن السعودية إذا طلبت منها ذلك، مشددًا على أن القاهرة لا تسعى إلى مهاجمة أي طرف، وإنما إلى الدفاع عن أمن المملكة واستقرارها. وطلب الرئيس عقد جلسة برلمانية طارئة للحصول على التفويض اللازم في حال ورود طلب بهذا الشأن، فيما أعلن مجلس النواب عقد جلسة عامة الأحد من دون الكشف عن جدول أعمالها بالتفصيل.

ويكتسب التحرك أهمية في ضوء اتساع نطاق الهجمات الحوثية على أهداف سعودية، بما في ذلك مطار الملك خالد الدولي ومنشآت مرتبطة بقطاع الطاقة، بالتزامن مع تجدد المعارك في اليمن بعد انهيار التهدئة. وأدى التصعيد إلى رفع المخاوف من انتقال المواجهة من نطاقها اليمني إلى صراع إقليمي أوسع، خصوصًا إذا انضمت أطراف جديدة إلى العمليات أو تحولت المساندة الدفاعية إلى مشاركة ميدانية.

ولا تحدد عبارة «كافة أشكال الدعم اللازمة والممكنة» طبيعة المساندة التي قد تقدمها مصر، ولا تشير إلى قرار بإرسال قوات أو تنفيذ عمليات عسكرية. فقد تشمل الخيارات، بحسب ما تتفق عليه القاهرة والرياض، التنسيق السياسي والأمني، وتبادل المعلومات، والمساندة الدفاعية أو البحرية، أو أشكالًا أخرى من التعاون. لكن تحديد أي من هذه المسارات يظل مرتبطًا بقرارات رسمية لم يُعلن عنها في البيان.

وتكتسب الإشارة إلى مجلس الدفاع الوطني أهمية باعتبارها تنقل الموقف من مستوى التصريحات السياسية إلى إطار مؤسسي معني بقضايا الأمن القومي. كما أن طلب السيسي تفويض البرلمان يضع أي خطوة عسكرية محتملة ضمن مسار دستوري وسياسي، بدل التعامل معها باعتبارها قرارًا اتُّخذ بالفعل.

وتملك مصر خبرة سابقة في المشاركة ضمن التحالف الذي قادته السعودية في اليمن عام 2015 دعمًا للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا. وتركز جانب من الدور المصري آنذاك على أمن الملاحة في البحر الأحمر، في ظل الأهمية الاستراتيجية للممرات البحرية بالنسبة إلى قناة السويس والتجارة الدولية.

غير أن السياق الحالي يختلف بفعل اتساع التهديدات وتداخلها مع توترات إقليمية أخرى. فأي مشاركة مصرية مباشرة قد تفرض حسابات تتعلق بحجم الالتزام العسكري، وطبيعة المهمة، ومخاطر توسيع نطاق المواجهة، فضلًا عن الكلفة الاقتصادية والأمنية. كما أن الدفاع عن الأراضي والمنشآت السعودية لا يعني بالضرورة الانخراط في عمليات هجومية داخل اليمن؛ إذ يتوقف ذلك على طبيعة الطلب وحدود التفويض والقرارات التي قد تتخذها القاهرة.

ولا تنفصل المواقف المصرية عن المصالح الاستراتيجية في البحر الأحمر وباب المندب، حيث يهدد استمرار المواجهات أمن الملاحة وتدفقات التجارة، ويضيف ضغوطًا على اقتصاد يعتمد جزئيًا على إيرادات قناة السويس. ومن هذا المنظور، لا يتعلق أمن السعودية بالقاهرة بعلاقات البلدين الثنائية وحدها، بل يمتد إلى استقرار ممر بحري حيوي يربط المحيط الهندي بالبحر المتوسط.

وتتقاطع المصالح المصرية والسعودية في رفض استهداف المنشآت الحيوية وتهديد الملاحة، لكن ذلك لا يلغي اختلاف حسابات كل طرف بشأن شكل الرد ومداه. فالقاهرة مطالبة بالموازنة بين دعم شريك إقليمي رئيسي، والحيلولة دون انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع يصعب احتواء تداعياتها.

وتأتي الخطوة المصرية أيضًا في وقت تتزايد فيه التحركات الإقليمية بشأن أمن المملكة، وسط نقاشات حول طبيعة الدعم الذي يمكن أن تقدمه الدول الشريكة، وما إذا كان سيظل دفاعيًا وتقنيًا أم سيتوسع إلى مشاركة ميدانية.

وفي المحصلة، لا يعني إعلان القاهرة أنها وضعت قدمًا في الحرب، بقدر ما يشير إلى انتقالها نحو موقف أكثر وضوحًا في دعم أمن السعودية، مع إبقاء طبيعة المشاركة المحتملة غير محسومة.

وسيظل الفارق جوهريًا بين إعلان الاستعداد للمساندة واتخاذ قرار بالتدخل؛ إذ ستحدد طبيعة الطلب السعودي، وموقف البرلمان، وحسابات المخاطر الإقليمية ما إذا كان الدعم المصري سيبقى في الإطار السياسي والدفاعي، أم سيتخذ شكلًا ميدانيًا أكثر مباشرة.