منوعات

الأربعاء - 12 أغسطس 2026 - الساعة 07:30 م بتوقيت اليمن ،،،

علي قاسم


هناك فنانون تنتهي قصتهم عندما تنتهي الأغنية. وهناك آخرون تبدأ قصتهم الحقيقية بعد أن تنتهي الموسيقى. راغب علامة ينتمي، على نحو واضح، إلى الفئة الثانية.

فمنذ أن ظهر شابًا على شاشة «استوديو الفن» في لبنان، لم يكن من السهل تخيل أن صاحب الصوت القادم من بيروت سيبقى حاضرًا في المشهد العربي لأكثر من أربعة عقود. كان المطلوب في البداية بسيطًا: أن يغني جيدًا، وأن ينجح في الوصول إلى الجمهور. لكنه مع مرور السنوات أصبح أكثر من مغنٍّ؛ صار اسمًا في الذاكرة الجماعية العربية، ووجهًا دائم الحضور في الإعلام، وشخصية عامة تدخل أحيانًا، طوعًا أو اضطرارًا، إلى مناطق تتجاوز الفن.

ولهذا فإن زيارة راغب علامة الأخيرة إلى دمشق لم تكن بالنسبة إلى كثيرين مجرد زيارة فنان إلى مدينة عربية. ففي اللحظة التي دخل فيها اسم «راغب علامة» إلى المشهد السوري الجديد، عاد معه كل ما تراكم حوله خلال سنوات: أغنياته، نجوميته، تصريحاته، مواقفه، علاقته بالسياسة، وصورته المتناقضة بين فنان يريد أن يبقى فنانًا وشخصية عامة لا يستطيع أن تمنع الجمهور من قراءة مواقفه خارج المسرح. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

بين الفنان والمواطن

ولد راغب علامة عام 1962 في الغبيري بضاحية بيروت، وبدأ اهتمامه بالموسيقى في سن مبكرة، متأثرًا بوالده الذي علمه العزف على العود. وفي عام 1980 شارك في برنامج «استوديو الفن»، حيث حصل على المركز الأول في فئة الأغنية الشعبية، وكان يومها في الثامنة عشرة من عمره.

لم تكن تلك المسابقة مجرد محطة عابرة. ففي لبنان، كما في العالم العربي، كان «استوديو الفن» واحدًا من أهم بوابات اكتشاف المواهب، ومنه خرج عدد من الأسماء التي أصبحت لاحقًا جزءًا من تاريخ الموسيقى العربية. لكن الفوز وحده لا يصنع نجمًا.

كان على راغب علامة أن يثبت أن اللحظة التلفزيونية يمكن أن تتحول إلى مسيرة. وجاء ألبومه الأول «بكرة بيبرم دولابك» عام 1986 ليؤكد أن الصوت الذي عرفه الجمهور في البرنامج قادر على الاستمرار خارج الشاشة. ثم جاءت أعمال مثل "قلبي عشقها" عام 1991 و"توأم روحي" وغيرها، لتتسع قاعدة جمهوره تدريجيًا.

وفي التسعينيات تحديدًا، حدث التحول الأكبر، لم يعد راغب علامة مجرد مطرب لبناني ناجح. أصبح جزءًا من جيل أعاد تشكيل صورة "نجم البوب العربي": مظهر أكثر حداثة، إنتاج موسيقي أكثر انفتاحًا، فيديو كليب، حفلات جماهيرية، وحضور إعلامي دائم.

أغنيات مثل "قلبي عشقها"، "آه يا عيني"، "نسيني الدنيا" و"الحب الكبير" لم تكن مجرد نجاحات منفردة؛ كانت علامات في مسيرة فنان عرف كيف يواكب تغير ذائقة الجمهور من دون أن يتخلى عن هويته الأساسية.

واللافت أن علامة لم ينجح لأنه كان صاحب الصوت الأقوى بالضرورة، وإنما لأنه امتلك شيئًا أكثر تعقيدًا: القدرة على البقاء. وهذه ربما أصعب موهبة في صناعة النجوم.

فالصوت يمكن أن ينجح موسمًا، والأغنية يمكن أن تعيش عامًا، لكن الفنان الذي يبقى في الواجهة أربعة عقود يحتاج إلى أن يعيد اختراع نفسه باستمرار. وقد فعل راغب ذلك. لكن النجومية لها ثمن.

كلما اتسعت شهرة الفنان، تقلصت المسافة بين حياته الفنية ومواقفه الشخصية. وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد الجمهور ينتظر الأغنية كي يحكم على الفنان؛ يكفي تصريح، أو تغريدة، أو صورة، أو زيارة حتى يصبح الفنان موضوعًا سياسيًا. وراغب علامة اختبر هذه الحقيقة مرارًا.

في عام 2013، على سبيل المثال، اضطر إلى نفي تصريحات نُسبت إليه بشأن الوضع السوري. وقال بوضوح إنه لم يدلِ بموقف سياسي من أي نظام أو ثورة أو حرب عربية، معتبرًا أن ما نُشر على لسانه مختلق.

المفارقة هنا مهمة. فالفنان الذي يقول إنه لا يريد الدخول في السياسة يجد نفسه مضطرًا إلى إصدار بيان سياسي تقريبًا لينفي أنه قال شيئًا سياسيًا. وهذا يكشف مأزقًا أكبر يواجه النجوم العرب: حتى الصمت يمكن أن يصبح موقفًا، والامتناع عن الموقف يمكن أن يتحول إلى موقف بحد ذاته.

ومع مرور السنوات، أصبح راغب أكثر حضورًا في القضايا العامة، خصوصًا في لبنان. انتقد الطبقة السياسية، وانتقد مظاهر البذخ الرسمي، وتحدث عن الفساد، كما أبدى مواقف من قضايا اجتماعية وسياسية أثارت النقاش.

وفي عام 2020، أشاد بوصول وزير لبناني إلى مجلس الوزراء بسيارة أجرة بدل موكب رسمي، معتبرًا أن الناس سئمت المواكب التي تغلق الطرق وتتحمل الخزينة تكلفتها. هذه المواقف تكشف أن علاقة علامة بالسياسة ليست بالضرورة علاقة فنان يريد أن يصبح سياسيًا.

ربما هي، في جانب منها، علاقة مواطن مشهور لا يستطيع أن يتعامل مع السياسة كما يتعامل معها المواطن العادي. فإذا قال المواطن رأيه، قد يمر كلامه في دائرة محدودة. أما عندما يقول راغب علامة شيئًا، فإن الجملة تتحول إلى عنوان، والتغريدة إلى خبر، والموقف إلى معركة على مواقع التواصل. وهنا يصبح السؤال: هل يملك الفنان حق أن يكون مواطنًا؟ بالطبع. لكن هل يملك، في الوقت نفسه، رفاهية أن يتوقع من الجمهور أن يفصل دائمًا بين الفنان والمواطن؟ هنا تبدأ المشكلة.

الزيارة أكبر من صاحبها
جاءت زيارة دمشق في 2026 محمّلة بما هو أكثر من برنامج فني أو لقاء رسمي. في سوريا، لا توجد زيارة عادية تقريبًا لشخصية عربية معروفة بعد سنوات الحرب والصراع والتحولات السياسية. فما بالك بفنان يمتلك تاريخًا طويلًا من الحضور العربي، وتحيط به مواقف وتصريحات وذكريات إعلامية متراكمة؟

زيارة علامة إلى دمشق ولقاؤه مسؤولين سوريين، وفق الرواية التي أثارت الجدل، قرأها البعض باعتبارها خطوة فنية طبيعية في بلد يحاول إعادة فتح أبوابه الثقافية والسياحية، بينما رأى آخرون فيها موقفًا سياسيًا أو رمزيًا يستحق النقاش. وهنا تكمن قوة الصورة وضعفها في الوقت نفسه. فالصورة لا تحتاج إلى تصريح.

صورة فنان لبناني شهير في دمشق يمكن أن تحمل، في عين مؤيد، معنى الانفتاح وعودة الحياة الثقافية، ويمكن أن تحمل، في عين معارض أو ناقد، معنى مختلفًا تمامًا. وهذا تحديدًا ما يجعل زيارة الفنان في العالم العربي أكثر تعقيدًا من زيارة رجل أعمال أو سائح. الفنان يحمل ذاكرة. والجمهور لا يرى الشخص فقط؛ يرى ما يمثله في مخيلته.

لذلك فإن الجدل الذي رافق الزيارة لم يكن مفاجئًا. فوسائل التواصل الاجتماعي لم تعد تناقش الحدث نفسه فقط، وإنما تستدعي أرشيف الشخصية كلها. تصريح قديم يعود، صورة قديمة تنتشر، موقف سابق يُعاد تفسيره، ثم يصبح الفنان أمام محكمة رقمية لا تنظر إلى المناسبة منفصلة عن الماضي.

وفي حالة راغب علامة تحديدًا، تصبح المفارقة أكثر وضوحًا: الرجل سبق أن نفى علنًا أن يكون قد أدلى بمواقف سياسية بشأن سوريا. لكن الجمهور لا يعيش في الحاضر وحده. إنه يحتفظ بالأرشيف.

المشكلة ليست في الغناء

ربما يكون الخطأ في التعامل مع راغب علامة هو محاولة وضعه في خانة واحدة. ليس من الدقة أن نقول إنه "فنان سياسي" بالمعنى التقليدي. لم يدخل الحياة السياسية، ولم يتحول إلى زعيم حزبي، ولم يجعل السياسة مشروعه المهني. لكنه في الوقت نفسه لم يعد مجرد صوت يقف على المسرح ويغني. لقد أصبح شخصية عامة. وهذا فرق كبير.

الشخصية العامة لا تستطيع دائمًا التحكم في معنى أفعالها. يمكن أن يقول الفنان: «ذهبت إلى دمشق لأسباب فنية»، لكن الجمهور قد يرى في الزيارة أكثر من ذلك. ويمكنه أن يقول: «أنا لا أتدخل في السياسة»، لكن تصريحاته عن الفساد والسياسيين تجعل الجمهور يضعه في المجال العام.

وهذه ليست مشكلة راغب علامة وحده. إنها مشكلة النجوم العرب في زمن أصبحت فيه المسافة بين الفن والسياسة شبه معدومة.

في الماضي، كان الفنان يطل على الجمهور من شاشة التلفزيون أو من خشبة المسرح. أما اليوم، فهو يعيش معهم على الهاتف. يدخل إلى غرفهم عبر «إنستغرام» و«إكس» و«فيسبوك»، ويصبح صوته حاضرًا في النقاشات اليومية.

لم تعد النجومية وظيفة فنية فقط. إنها حضور اجتماعي دائم. ربما تكون هذه هي المفارقة الأكثر قسوة في قصة راغب علامة.

هناك جيل كامل يعرفه من خلال أغنيات الحب. جيل يتذكر "قلبي عشقها"، ويعرف "نسيني الدنيا"، ويربط اسمه بمرحلة كاملة من الغناء العربي الحديث. واليوم يجد هذا الجيل نفسه يناقش الفنان نفسه من خلال زيارة إلى دمشق ومواقف سياسية محتملة.

بين الصورتين مسافة زمنية هائلة. لكن راغب علامة لم يتغير وحده؛ تغيرت وظيفة الفنان أيضًا. في الثمانينيات والتسعينيات، كان يمكن للفنان أن يختبئ نسبيًا خلف أغنياته. أما في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، فقد أصبح الفنان جزءًا من المجال العام، شاء أم أبى.

وهكذا، فإن زيارة دمشق ليست مجرد فصل جديد في سيرة راغب علامة، بل فصل يكشف شيئًا عن زمننا. زمن لم يعد فيه الفن منفصلًا عن السياسة، ولا المشاهير منفصلين عن النقاش العام، ولا الصورة منفصلة عن تفسيرها.

هل يبقى الفنان فنانًا فقط؟ هذا هو السؤال الذي تطرحه تجربة راغب علامة، وربما لا نملك له إجابة نهائية. الفنان من حقه أن يغني، وأن يحب، وأن يسافر، وأن يزور أي بلد، وأن يلتقي بمن يريد، ضمن القانون. لكن الجمهور من حقه أيضًا أن يقرأ هذه الأفعال، وأن يسأل عن دلالاتها، خصوصًا عندما يكون الفنان شخصية عامة ذات تاريخ طويل في التعبير عن آرائه.

المشكلة ليست في أن يكون راغب علامة سياسيًا أو غير سياسي. المشكلة في المنطقة الرمادية بين الاثنين. فحين ينتقد الفنان الفساد، يصبح صاحب رأي. وحين يعلق على السلطة، يصبح جزءًا من النقاش العام. وحين يزور عاصمة تحمل ذاكرة سياسية ثقيلة، تصبح زيارته أكثر من صورة سياحية. وعندها لا يعود السؤال: ماذا غنّى راغب علامة؟ بل: ماذا يعني راغب علامة؟

من بيروت إلى دمشق
ربما تكون أطول مسافة قطعها راغب علامة ليست بين بيروت ودمشق، ولا بين "استوديو الفن" ومهرجانات العالم العربي. إنها المسافة بين الفنان والشخصية العامة.

في الجانب الأول، لديه رصيد يصعب إنكاره: مسيرة طويلة، أغانٍ راسخة، جمهور عابر للحدود، وقدرة نادرة على الاستمرار. وما زال نشاطه الفني مستمرًا حتى 2026، مع إصدارات وحفلات جديدة، بما يؤكد أن علاقته بالموسيقى لم تصبح مجرد حنين إلى الماضي.

أما في الجانب الثاني، فقد دخل منطقة أكثر وعورة: السياسة، المواقف، وسائل التواصل، والذاكرة الجماعية. وهذه المنطقة لا تُدار باللحن نفسه الذي تُدار به الأغنية.

في الفن، يستطيع الفنان أن يقول للجمهور: هذه أغنيتي، فاسمعوها أو لا تسمعوها، أما في المجال العام، فالجمهور يقول للفنان: هذه صورتك في أعيننا، ولن نسمح لك وحدك بتحديد معناها. وهذا هو الثمن الحقيقي للنجومية الطويلة.

راغب علامة لم يعد مجرد رجل يغني عن الحب. إنه واحد من أولئك الفنانين الذين عبروا عقودًا كاملة من التاريخ العربي، ولذلك حملوا معهم شيئًا من هذا التاريخ. وعندما يظهر في دمشق، أو بيروت، أو القاهرة، أو أي عاصمة عربية، لا يصل صوته وحده؛ تصل معه ذاكرة الجمهور، ومواقفه السابقة، والصور التي صنعتها عنه وسائل الإعلام.

لذلك فإن قصة راغب علامة لا تُختصر في سؤال: هل هو فنان أم سياسي؟ الأدق أن نسأل: كيف يمكن لفنان بهذا الحجم أن يعيش في عالم عربي لم يعد يسمح بسهولة بالفصل بين الميكروفون والموقف؟

ربما سيظل راغب علامة، قبل كل شيء، مغنيًا. وهذا هو المجال الذي صنع فيه مجده الحقيقي. لكن الزمن الذي صنع «السوبر ستار» لم يعد هو الزمن نفسه الذي صنع «قلبي عشقها». واليوم، حين يرفع راغب علامة الميكروفون، لا يسمع الجمهور صوته فقط؛ يسمع أيضًا كل ما قاله، وكل ما نُسب إليه، وكل مكان ذهب إليه، وكل صورة التقطت له.

وهنا تصبح دمشق أكثر من محطة في جدول حفلات. تصبح اختبارًا جديدًا لصورة فنان اكتشف، مثل كثيرين قبله، أن النجومية تمنح صاحبها مساحة واسعة للتعبير، لكنها تسلبه في المقابل شيئًا من حقه في أن يكون مجرد فنان. ففي العالم العربي، قد تبدأ الحكاية بأغنية حب. لكنها نادرًا ما تنتهي عندها.

العرب