أخبار اليمن

الأربعاء - 15 يوليو 2026 - الساعة 05:57 م بتوقيت اليمن ،،،

فيروز الوالي


في اليمن، يبدو أن المعركة لم تعد فقط بين مشروعين سياسيين، بل بين صورتين إعلاميتين متناقضتين: طرف يُقدَّم دائمًا كأنه "شيطان مطلق"، وطرف يُسوَّق أحيانًا كأنه "منقذ مثالي". وبين الشيطنة والتقديس تضيع الحقيقة في المنتصف، حيث يعيش المواطن اليمني يوميًا بين الفقر والخوف والبحث عن أبسط مقومات الحياة.

الواقع أكثر تعقيدًا من الشعارات. الحوثيون ليسوا ملائكة، والشرعية ليست نموذجًا للكمال. كلا الطرفين يحمل سجلًا من الأخطاء والإخفاقات، لكن الفرق في السياسة لا يُقاس فقط بالنوايا، بل بقدرة كل طرف على إدارة الواقع وصناعة النفوذ.

الحوثي: أخطاء مشروع أم إدارة واقع؟

من الإنصاف القول إن جماعة الحوثي وصلت إلى السلطة وهي ترفع شعارات كبيرة: محاربة الفساد، بناء دولة مدنية حديثة، تحسين الوضع الاقتصادي، صرف الرواتب، حماية السيادة، وإنهاء النفوذ الخارجي.

لكن بعد سنوات من السيطرة، يطرح المواطن سؤالًا بسيطًا: أين الوعود؟
فالواقع الاقتصادي ما زال صعبًا، والحريات السياسية والإعلامية تواجه انتقادات واسعة، وملف الرواتب والخدمات لم يُحل بالشكل الذي ينتظره المواطن.

لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن مناطق سيطرة الحوثيين استطاعت الحفاظ على قدر من التماسك الإداري والأمني مقارنة بمناطق أخرى تعاني من الانقسام والتنافس المسلح. كما أن قدرتهم على فرض قرار مركزي، وإدارة المؤسسات الموجودة تحت سيطرتهم، جعلتهم طرفًا لا يمكن تجاوزه إقليميًا ودوليًا.

سياسيًا وعسكريًا، استطاع الحوثيون بناء صورة قوة منظمة تمتلك خطابًا واضحًا، وقيادة مركزية، وقدرة على اتخاذ القرار، حتى لو اختلف الكثيرون مع هذا القرار.

في عالم السياسة، القوة لا تعني دائمًا الشرعية، لكنها تعني أن الآخرين مضطرون للتعامل معك.

الشرعية: شرعية الاعتراف أم أزمة الفعل؟

في الجانب الآخر، تمتلك الحكومة المعترف بها دوليًا ورقة مهمة: الاعتراف الدولي. لكنها تواجه أزمة أكبر: ضعف الأداء على الأرض.

المواطن اليمني لا يعيش في بيانات الأمم المتحدة، ولا في المؤتمرات الدولية، بل يعيش في عدن وتعز ومأرب وغيرها، حيث تُقاس الدولة بالكهرباء والرواتب والأمن والقضاء والخدمات.

المشكلة أن الشرعية تحولت في نظر قطاع واسع من اليمنيين إلى عنوان سياسي أكثر من كونها مشروع دولة فعلي. تعدد مراكز القرار، صراعات القوى داخلها، الاعتماد الكبير على الدعم الخارجي، وضعف السيطرة الميدانية، جعل صورتها تهتز أمام الجمهور.

أصبح بعض بياناتها السياسية مادة للسخرية الشعبية، ليس بالضرورة بسبب مضمونها فقط، بل بسبب الفجوة بين الخطاب والواقع.

عندما تقول سلطة إنها ستفرض النظام بينما المواطن لا يجد نظامًا في حياته اليومية، فإن المشكلة ليست في البيان، بل في المسافة بين الكلمات والواقع.

الاقتصاد: بين عملة صامدة واقتصاد منهك

اقتصاديًا، يعيش اليمن انقسامًا خطيرًا.
في مناطق الحوثيين، هناك استقرار نسبي في سعر الصرف مقارنة بالمناطق التي تستخدم العملة الجديدة، لكن ذلك لا يعني أن الاقتصاد صحي؛ فالفقر والبطالة وتراجع الدخل ما زالت تحديات كبيرة.

وفي مناطق الحكومة، أصبحت العملة والخدمات عنوانًا لأزمة عميقة، حيث يعاني المواطن من ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.

المفارقة اليمنية أن كل طرف يملك رواية انتصار، بينما المواطن يملك فاتورة المعاناة.

عسكريًا ودبلوماسيًا: من يملك زمام المبادرة؟

عسكريًا، نجح الحوثيون في تقديم أنفسهم كقوة قادرة على الردع، واستطاعوا تطوير قدراتهم العسكرية واستخدامها كورقة تفاوض إقليمية.

أما الشرعية، فرغم امتلاكها دعمًا دوليًا وإقليميًا، فإن تعدد القوى العسكرية داخل معسكرها جعل قرارها أقل وضوحًا.

دبلوماسيًا، استطاع الحوثيون تحويل أنفسهم من جماعة محلية إلى طرف حاضر في الحسابات الدولية. قد يرفض البعض مشروعهم، لكن لا أحد يستطيع تجاهل تأثيرهم.

في المقابل، تواجه الشرعية تحدي إثبات أن الاعتراف الدولي يمكن أن يتحول إلى دولة حقيقية على الأرض.

الإعلام: معركة الصورة قبل معركة البندقية

الحوثيون يمتلكون خطابًا إعلاميًا موحدًا ومنضبطًا، بينما تعاني الشرعية من تعدد الأصوات وتضارب الرسائل.

لكن الإعلام وحده لا يصنع الحقيقة. فالدعاية مهما كانت قوية تصطدم في النهاية بسؤال المواطن: ماذا تغير في حياتي؟

الخلاصة: اليمن لا يحتاج ملائكة ولا شياطين

المشكلة الكبرى في الخطاب اليمني هي محاولة اختزال الأزمة في صورة طرف شرير بالكامل وطرف بريء بالكامل.

الحوثي لديه أخطاء سياسية وحقوقية واقتصادية لا يمكن تجاهلها، والشرعية لديها أزمة إدارة وثقة وأداء لا يمكن تغطيتها بالشعارات.

اليمن بحاجة إلى دولة لا إلى معارك بين روايات. بحاجة إلى مؤسسات لا إلى تقديس الأشخاص. بحاجة إلى مسؤول يُحاسب على فشله، سواء كان في صنعاء أو عدن.

فالشعوب لا تأكل البيانات، ولا تعيش على الشعارات، ولا تقاس الدول بعدد المؤتمرات التي تحضرها، بل بقدرتها على حماية المواطن وصناعة مستقبل أفضل.

وفي النهاية، أكبر ضحية في هذا الصراع ليست الشرعية ولا الحوثي... بل المواطن اليمني الذي أصبح متفرجًا في مسرح سياسي طويل، يدفع ثمن تذاكره من خبزه وأمنه ومستقبله.