منوعات

الأربعاء - 15 يوليو 2026 - الساعة 05:51 م بتوقيت اليمن ،،،

عدن


يظل الشاعر والأديب والناقد لطفي جعفر أمان (1928 - 1971) واحداً من أبرز الأصوات التي صنعت تحولاً حقيقياً في مسار الأدب الحديث، ورائداً للاتجاه الرومانسي الذي منح القصيدة فضاءً جديداً، متجاوزاً أسر القوالب التقليدية إلى رحابة اللغة والصورة والتجربة الإنسانية.

وُلد أمان في مدينة عدن عام 1928، في بيئة ثقافية احتضنت الفن والأدب، فكانت نشأته الأولى منبعاً لموهبته التي جمعت بين الشعر والرسم والخط والموسيقى. ومنذ سنواته المبكرة ظهرت ملامح موهبته، قبل أن تقوده رحلته التعليمية إلى السودان، حيث شكلت الغربة محطة بارزة في بناء شخصيته الفكرية وتكوين تجربته الشعرية.

في الخرطوم، وجد أمان نفسه في قلب عالم الشعر العربي الحديث، وكانت دواوين علي محمود طه، والتيجاني يوسف بشير، وأبي القاسم الشابي، وإلياس أبو شبكة، رفيقة سنوات التكوين، فنهل منها الحس الرومانسي وروح التجديد، وامتلك رؤية شعرية متحررة من الجمود والتقليد.

بعد إكمال دراسته الثانوية، التحق بكلية غردون في الخرطوم خلال أربعينيات القرن الماضي، وحصل على دبلوم في الآداب، ثم واصل مسيرته العلمية في لندن، حيث نال دبلوم معهد التربية العالي عام 1955، ليعود بخبرة علمية وثقافية عززت حضوره في مجالي الأدب والتعليم.

كانت قصيدة «زهرة» عام 1943 أولى إشراقاته الشعرية، ومنها انطلقت مسيرته التي شهدت نشر العديد من القصائد في الصحف والمجلات العدنية، بينها «لوعة» و«إليك يا عدن»، لتكشف عن صوت شعري يمتلك حساً موسيقياً وصوراً نابضة بالخيال والوجدان.

وفي عام 1948 أصدر ديوانه الأول «بقايا نغم»، الذي مثل منعطفاً مهماً في تاريخ القصيدة إذ قدم تجربة مختلفة كسرت المألوف، وأرست ملامح مرحلة جديدة تقوم على تجديد اللغة والإيقاع والصورة والبناء الفني.

ولم يكن لطفي أمان شاعر العاطفة وحدها، بل حمل في قصائده قضايا الإنسان والوطن، وعبر عن آلام المجتمع وتطلعاته نحو الحرية والعدالة، وكانت قصيدته «أنا حامي الضمير» من أبرز أعماله التي جسدت موقفه الرافض للظلم وانحيازه إلى قضايا الناس.

امتلك أمان مشروعاً شعرياً متفرداً، تميز بعمق اللغة وجمال الصورة وقدرته على توظيف السرد والحوار والبعد الدرامي داخل القصيدة. وواصل تطوير تجربته عبر دواوينه: «ليالي»، «كانت لنا أيام»، «ليل إلى متى؟»، «إليكم يا إخوتي»، و**«الدرب الأخضر»**، وصولاً إلى رائعته الأخيرة «خواطر مريض» التي كتبها في القاهرة عام 1971 خلال صراعه مع المرض، فجاءت مرآة صادقة لأوجاعه وتأملاته في الحياة والمصير.

إلى جانب عطائه الشعري، كان أمان مثقفاً ومربياً متعدد المواهب؛ فقد تقلد عدداً من المناصب في قطاع التربية والتعليم، منها محاضر في مركز تدريب المعلمين، ومفتش مدارس، وضابط معارف، ومسؤول للمطبوعات والنشر، ومدير في التربية والتعليم، ثم وكيلاً لوزارة التربية والتعليم.

كما أسهم في تحرير «مجلة المعلم» ونشر فيها قصائد ومقالات أدبية وتربوية، وعمل مذيعاً في إذاعة عدن منذ تأسيسها، مقدماً برامج ثقافية وتعليمية أسهمت في إثراء المشهد الثقافي.

وكان من رواد التجديد في الأغنية العدنية إذ تغنى عدد من الفنانين بقصائده، فتحولت كلماته إلى ألحان حاضرة في ذاكرة الناس، وجزء من التراث الفني والثقافي.

نال عام 1965 الجائزة الأولى في مسابقة هيئة الإذاعة البريطانية عن قصيدته «غزو الفضاء»، كما مُنح اسمه وسام الآداب والفنون تقديراً لإسهاماته الأدبية والثقافية.

رحل لطفي أمان في القاهرة عام 1971، بعد حياة تنقلت بين عدن والخرطوم ولندن، لكنه لم يغب عن المشهد الأدبي فقد بقي صوته الشعري حاضراً، وبقي نغمه شاهداً على شاعر امتلك موهبة التجديد وترك أثراً لا تمحوه الأيام.

#دليل_عدن_السياحي
#عدن_تاريخ_تراث_ثقافة_سياحة