منوعات

الثلاثاء - 14 يوليو 2026 - الساعة 03:28 ص بتوقيت اليمن ،،،

طارق حاتم


قراءة تحليلية وتوثيقية في ضوء الأرشيف السري والمراسلات السياسية لحكومة الهند البريطانية:

مقدمة: سياق الوثائق والخلفية الجيوسياسية:

تمثل الوثائق التاريخية الصادرة عن الدائرة الخارجية لحكومة الهند البريطانية عام 1873 نافذة بالغة الأهمية على آليات إدارة النزاعات القبلية والمحلية في محيط مستعمرة عدن خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. تكشف هذه المراسلات، المصنفة تحت بند "الشؤون السياسية السرية"، عن عمق التداخل بين الطموحات التوسعية للقوى الإقليمية المحلية وبين الرغبة البريطانية المستمرة في تأمين السواحل ومصادر المياه العذبة وحماية الممرات الملاحية الاستراتيجية.

يتمحور هذا البحث التوثيقي حول الإرسالية رقم 69 لعام 1873 الموجهة إلى دوق أرغيل، وزير دولة جلالة الملكة لشؤون الهند، والتي تلخص النزاع القانوني والقبلي المعقد حول منطقتي "الحسوة" و"عدن الصغرى" (جبل إحسان)، وهو النزاع الذي اشتبكت فيه مصالح سلطان لحج، وشيخ قبيلة العقارب، وعائلة السيد العيدروس ذات المكانة الدينية والاجتماعية المرموقة.

أولاً: محور النزاع وموقع "الحسوة" الاستراتيجي:

لم يكن الخلاف حول منطقة "الحسوة" خلافاً على مساحات ترابية مجردة، بل كان صراعاً على مورد حيوي يمس عصب البقاء لمستعمرة عدن. ووفقاً للتقرير السياسي الذي أعده السير إدوارد راسيل (حاكم وعدن)، توصف الحسوة جغرافياً بأنها:

"مجرى الوادي الممتد إلى حوالي 600 ياردة من ساحل البحر، حيث يوجد في هذا المجرى ماء عذب وصالح للشرب. وتضم المنطقة حديقة تحتلها الحكومة البريطانية منذ سنوات طويلة لتأمين احتياجاتها، بالإضافة إلى بضعة منازل وحصن طيني صغير."

هذا التوصيف يوضح سبب استماتة الأطراف المحلية في إثبات الملكية؛ فالسيطرة على الحسوة تعني التحكم في أحد أهم منابع المياه العذبة القريبة من عدن، فضلاً عن كونها منطقة حدودية فاصلة بين النفوذ التقليدي لسلطنة لحج وأراضي قبيلة العقارب المستقلة في بير أحمد.

ثانياً: خريطة الادعاءات والروابط القبلية والأسرية:

يكشف التحقيق الذي أجراه الكابتن غودفيلو (Goodfellow) والمقيم السياسي في عدن عن تعقد شبكة العلاقات والادعاءات المتضاربة، والتي يمكن تلخيصها في ثلاثة مواقف رئيسية:

1. موقف قبيلة العقارب (شيخ بير أحمد):

تؤكد الوثائق أن الأرض في الأصل كانت تقع ضمن النطاق الجغرافي والسياسي لقبييلة العقارب. وفي عام 1849م، قام الشيخ باحيدرة مهدي، شيخ العقارب، بمنح الحسوة بالكامل مع إمدادات المياه التابعة لها كـ "نذر" أو "هبة دينية مجانية لوجه الله" إلى عائلة السيد العيدروس (المتمثلة في السيد علوي بن زين العيدروس وإخوانه)، مما جعل الأرض وفقاً للأعراف المحلية غير قابلة للتصرف أو البيع العشوائي.

2. موقف السيد علوي بن زين العيدروس:

تمسك السيد علوي بحق ملكيته المطلقة وغير المنازعة للحسوة لمدة تجاوزت عشرين عاماً (منذ 1849 وحتى 1869م)، مستنداً إلى "العهد المشرف" المكتوب والموقع من شيوخ العقارب، والمدعوم باعتراف صريح من سلطان لحج الأسبق علي محسن (شقيق السلطان فضل). إلا أن الوثائق تشير إلى أن السيد علوي وقع في معضلة سياسية عندما بدأ يدفع مبالغ مالية تحت مسمى "إيجار" لسلطان لحج، وهو ما فسرته السلطات البريطانية بأنه "لعب بطريقة غير مفهومة لصالح السلطان".

3. موقف سلطان لحج (السلطان فضل بن علي):

طالب سلطان لحج بالسيادة على الحسوة مستنداً إلى أن المنطقة تعد أرضاً حدودية تابعة لنفوذه، واعتبر قيام السيد علوي بدفع الإيجار له بمثابة إقرار رسمي بتبعية الأرض للسلطنة. كما قدم السلطان مطالبات مالية ضخمة بأثر رجعي تبلغ إيجار 17 عاماً، وهدد بالاستيلاء على المنطقة بالقوة، بل وطلب من البريطانيين استعارة باخرة حكومية لنقل جنوده، وهو ما قوبل بالرفض.
البُعد الشخصي في النزاع: تشير التقارير السرية إلى أن البعد العائلي ألقى بظلاله على الأزمة؛ فسلطان لحج كان متزوجاً من أخت السيد علوي العيدروس، وبعد أن كانا صديقين حميمين، تحولا إلى "عدوين لدودين"، ووصف المقيم السياسي الأزمة بأنها تدار بدافع العداوة الشخصية الشديدة التي يسعى فيها كل طرف لإلحاق أقصى ضرر بالآخر.

ثالثاً: التحكيم القضائي والضغوط البريطانية في عدن:

عندما تفاقم النزاع وهدد الاستقرار برزت محاولات التوفيق البريطانية، إلا أنها اتسمت بالانحياز لفرض الأمر الواقع. فقد أُحيلت القضية إلى "قاضي عدن" (الذي كان موظفاً يتقاضى راتبه من الحكومة البريطانية). ورغم مطالبة السيد علوي بمهلة أربعة أشهر لجمع وثائقه التاريخية وسنداته القديمة من الأرشيف، إلا أن طلبه رُفض بضغوط من الكابتن غودفيلو والمترجم السياسي صالح جعفر.

وتحت التهديد بالسجن والغرامة لتدهور حالته الاجتماعية، أُجبر السيد علوي على دفع مبلغ ضخم قدره 6,000 دولار لصالح جعفر بغرض تسوية النزاع مع السلطان كإيجار للمنطقة، دون أن يتسلم أي إيصال رسمي أو سند يضمن حقوقه، وهو ما اعتبره المسؤولون البريطانيون اللاحقون (مثل الميجور جنرال كوجلان والقس بادجر) ظلماً فادحاً أُلحق بأصدق وأوفى حليف للحكومة البريطانية في عدن.

رابعاً: الأطماع الدولية وقضية "عدن الصغرى" (جبل إحسان):

تتجاوز المراسلات حدود الحسوة لتكشف عن قضية أخرى أشد خطورة، وهي محاولة القوى الدولية (وتحديداً الفرنسيين) موطئ قدم في المنطقة.

تشير الوثائق إلى أن السيد علوي العيدروس كان قد نقل معلومات سرية وخاصة إلى المقيم البريطاني تفيد بأن الفرنسيين يجرون مفاوضات سرية مع الشيخ حيدرة محسن (شيخ بير أحمد) لشراء جبل إحسان (عدن الصغرى).

فور تلقي هذه المعلومات، تحركت الإدارة البريطانية بصرامة عبر السير ويليام كوجلان والكولونيل ميريويذر لإحباط المسعى الفرنسي، واستدعت شيخ بير أحمد لتأمين نقل المنطقة إلى التاج البريطاني. هذا التدخل يفسر الغضب العارم لسلطان لحج تجاه السيد علوي، حيث اعتبر السلطان أن مساعدة السيد للبريطانيين في الاستحواذ على عدن الصغرى فوتت عليه فرصة فرض سيادته أو الاستفادة المالية من تلك الصفقة الاستراتيجية.

خامساً: الوثائق والعهود التاريخية (سند عام 1849م):

تتضمن الإرسالية نصوصاً مترجمة للسندات القانونية التي تقدم بها السيد علوي العيدروس لإثبات حقه، وأبرزها "العهد المشرف" الصادر في 5 ذو القعدة 1265 هـ (21 سبتمبر 1849م)، وجاء في نص السند الموجه من قبيلة العقارب:

"عهد مشرف وُضع في يد المحبوب والمحترم علوي بن زين العيدروس وإخوانه... من قِبل الشيخ باحيدرة مهدي وكافة العقارب مجتمعين. لقد وهبوهم الحسوة وكل ما يخصها، بالإضافة إلى إمدادات المياه الخاصة بها. وقد جُعلت هبة مجانية لوجه الله وللعيدروس، وليعلم جميع الناس ذلك لمنع الشر، وليكن محترماً ومصاناً..."

وقد وقع على هذا السند عشرة من أعيان وشهود قبيلة العقارب، وصودق عليه لاحقاً بعهد مماثل من السلطان الراحل علي محسن، مما يبطل -من الناحية القانونية والشرعية- الادعاءات اللاحقة لسلطنة لحج.

خلاصة واستنتاج: الرؤية البريطانية النهائية:

رغم وضوح السندات التاريخية التي تُنصف السيد علوي وعائلة العيدروس وقبيلة العقارب، إلا أن الخلاصة السياسية لحكومة الهند البريطانية في شيملا (بتوقيع اللورد نورثبروك وأعضاء مجلسه في 30 أبريل 1873) جاءت مخيبة لآمال الأطراف المتنازعة ومتسقة مع البراغماتية الاستعمارية.

قررت حكومة الهند رسمياً رفض مقترح "شراء الحسوة"، والإبقاء على الترتيبات الحالية دون تغيير، مع رفض إعادة فتح قضية ادعاء السيد علوي أو تعديل التعويضات المالية لسلطان لحج.

بحث وإعداد الأستاذ طارق حاتم