عرب وعالم

الأربعاء - 08 يوليو 2026 - الساعة 12:31 م بتوقيت اليمن ،،،

د. عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب


يتوسط مضيق باب المندب القارات الخمس، وهو يصل البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب والمحيط الهندي، ويتصل بالبحر الأبيض المتوسط عبر قناة السويس. ازدادت أهمية المضيق بعد افتتاح القناة عام 1869، ويُعتبر باب المندب قلب مشروع الحزام والطريق الصيني الذي أُطلق عام 2013، نظرًا لأهمية موقعه وامتلاكه عددًا من الموانئ والجزر المتناثرة التي يبلغ عددها نحو130 جزيرة، إضافة إلى ميناءي عدن والمخا، وجزيرة بريم التي تتوسط المضيق.

ترتبط حركة التجارة العالمية ارتباطًا وثيقًا باستقرار مضيق باب المندب والبحر الأحمر، إذ يُعد المعبر الأساسي بين آسيا وأوروبا وإفريقيا. وقد زادت أهميته باتصاله بالجزيرة العربية الغنية بالنفط، ما جعله منطقة جذب وتنافس إقليمي ودولي جيوستراتيجي للسيطرة على المضيق والقرن الأفريقي والبحر الأحمر. تتصارع الدول للحصول على موقع استراتيجي فيه لتحقيق مصالح اقتصادية، فتمت عسكرة المضيق عبر إقامة نحو تسع قواعد عسكرية في جيبوتي، وفي دول القرن الأفريقي، منها خمس قواعد في الصومال، وقاعدتان في إريتريا إحداهما لإسرائيل.

تولي الولايات المتحدة أهمية جيوسياسية كبرى لمضيق باب المندب والقرن الأفريقي، وتربطه بالأمن القومي الأميركي، ومهمتها مراقبة المجال الجوي والبحري. وقد عزز الرئيس بايدن قاعدة باليدوغل الجوية الأميركية في الصومال بخمسمائة جندي، ولها قواعد عسكرية في كينيا وإثيوبيا. كما أعلن الأسطول الخامس التابع للبحرية الأميركية في 19 تشرين الأول/أكتوبر 2023، نتيجة الحرب في غزة، وصول أكثر من ثلاثة آلاف بحار وجندي، ودخول السفينة الهجومية البرمائية “يو إس إس باتان” وسفينة الإنزال “يو إس إس كارتر هول”. وتسعى روسيا إلى العودة إلى القرن الأفريقي عبر البوابة الإريترية باستغلال مدينة مصوع تمهيدًا لإقامة قاعدة عسكرية بالقرب من المضيق. أما الصين فقد بنت قاعدة عسكرية في جيبوتي عام 2017 لدعم مبادرة الحزام والطريق، وهي أكبر بنية تحتية في التاريخ، رغم أن الولايات المتحدة تنظر إليها كتهديد لنفوذها وهيمنتها، خصوصًا مع تغلغل الصين في القارة الأفريقية ومنطقة القرن الأفريقي منذ زمن طويل.

وجدت إسرائيل البحر الأحمر مجالًا حيويًا لفك العزلة أو كسر أي حصار عسكري عربي مستقبلي، وهي تقف ضد أن يكون البحر الأحمر عربيًا خالصًا. ومنذ عام2016 أنشأت إسرائيل قاعدة استخباراتية إلكترونية في إريتريا لمراقبة الحوثيين في صراعها مع إيران، رغم أن السعودية أسست مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن. لكن واشنطن والعواصم الأوروبية فضلت قيادة تحالفات دولية خاصة بها مثل تحالف “حارس الازدهار”، الذي رفضت السعودية المشاركة فيه ضد الحوثي وطالبت بوقف إسرائيل الإبادة في غزة، وكذلك عملية “أسبيدس”، وذلك لاعتبارات سياسية وعسكرية بسبب غياب التوافق حول الأولويات. إذ يركز التحالف الدولي على محاربة الحوثي لصالح إسرائيل، فيما تتبنى السعودية، التي تقود تحالف الدول المتشاطئة، رؤية أشمل تركز على استقرار الإقليم وتنميته وعدم الانجرار إلى مواجهات مباشرة قد تعرقل جهود السلام على حدودها الجنوبية.

إقامة القاعدة الصينية في جيبوتي جاءت بحجة محاربة القرصنة في الصومال وتأمين التجارة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. كذلك تتواجد الولايات المتحدة بحجة منع إيران من نقل صراعها مع السعودية إلى المضيق عبر دعم الحوثي، خصوصًا بعد “عاصفة الحزم” عام 2015. كما تسعى واشنطن إلى منع الحوثي من استهداف السفن التجارية الإسرائيلية التي تعبر المضيق. وفي نيسان/أبريل 2022 شكّلت الولايات المتحدة وبريطانيا فريقًا أمنيًا من الدول الحليفة لمراقبة البحر الأحمر، وقادت مصر قوة المهام المشتركة 153، وتسلمتها من البحرية الأسترالية في7 نيسان/أبريل 2025.

تستمر التفاهمات بين القوى الغربية والسعودية في إطار تكاملي، حيث تدعم واشنطن والاتحاد الأوروبي أي جهود تهدف إلى حفظ أمن الممرات مع احتفاظهما بمسارات عسكرية مستقلة. ولا تحرص واشنطن على أن تكون اليمن وحدة مستقرة، إذ لم تنس أن اليمن قام خلال حرب أكتوبر1973 بإغلاق مضيق باب المندب وسمح للقوات المصرية بالتمركز هناك دعمًا للحرب، ما أوقف تدفق النفط إلى الدول الغربية بقيادة الملك فيصل بن عبد العزيز رحمه الله.

بعد زيارة وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن في19 كانون الأول/ديسمبر 2024، عقب زيارة إسرائيل، أُطلقت عملية “حارس الازدهار” الدولية، وهي مهمة متعددة الجنسيات تضم نحو عشرين دولة بجانب قيادة فرقة العمل153 التابعة لمظلة القوات البحرية المشتركة (CMF). وبعد إعلان التحالف بأيام، أعلنت عدة دول أوروبية، من بينها فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، رفضها الانضمام إليه. وأكدت إسبانيا أنها لن تشارك إلا تحت مظلة أوروبية أو أطلسية.

وسجل عدم مشاركة ثلاث دول أوروبية أول ضربة للتحالف، وإشارة إلى أنه بدأ بالتصدع قبل أن ينطلق. وبالتالي لن يواصل بنفس الزخم الذي كانت تخطط له الولايات المتحدة، وسيقتصر في نهاية المطاف على دولتين أساسيتين هما أميركا وبريطانيا. وقد حالت هذه التطورات دون نجاح مسعى واشنطن، لأن التحالف خلا من الدول المتشاطئة بقيادة السعودية، بعدما فشلت واشنطن في إقناع كل من السعودية ومصر بالمشاركة، إذ رفضتا حماية إسرائيل التي تقوم بإبادة الفلسطينيين في غزة.

كذلك تأسست “أسبيدس” البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي، وانتشرت في البحر الأحمر في فبراير 2024 كعملية دفاعية استجابة لهجمات الحوثيين المتكررة على الملاحة الدولية منذ أكتوبر 2023، بتفويض مبدئي يتجدد كل عام، وقد تم تمديده حتى 28 فبراير 2027. مهماتها حماية السفن وضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب وبحر عمان والخليج وشمال غرب المحيط الهندي.

إثر رحلة جوية إيرانية نادرة هبطت في مطار صنعاء لنقل وفد حوثي إلى إيران للمشاركة في مراسم عزاء المرشد الإيراني الراحل، اعتبرت الحكومة اليمنية ذلك انتهاكًا للسيادة. وزعم الحوثيون أن مقاتلات التحالف حاولت اعتراض طائرة مدنية قادمة من طهران، وهددت الجماعة بأن أي خرق للأجواء أو هجوم سيقابل باستهداف شامل للمطارات والمصالح الحيوية السعودية في البر والبحر.

كان رد التحالف باسم قواته أن التهديدات الحوثية ما هي إلا محاولة لصرف الأنظار عن انتهاكات الجماعة الداخلية وتصدير أزماتها، وتوعد بضربات غير مسبوقة وحازمة للتصدي لأي استهداف للسعودية أو مواطنيها.

وفي آذار/مارس2026 تمكنت القوات الحكومية والحملة الأمنية المشتركة في اليمن من ضبط سفينة تهريب إيرانية وقوارب بحرية في المياه الإقليمية قبالة سواحل مضيق باب المندب ومحافظة لحج، كانت متجهة إلى موانئ الحديدة الخاضعة لسيطرة الحوثيين. حملت السفينة أدوية غير مصرح بها وأسلاكًا معدنية مزدوجة الاستخدام للتصنيع العسكري، لتصنيع طائرات مسيرة وزوارق انتحارية، بالإضافة إلى رقائق إلكترونية لتشغيل المسيرات وأجهزة تتبع لتوجيهها. وسبق في تشرين الأول/أكتوبر 2025 ضبط سفينة إيرانية تخفي داخل مخبأ سري صاروخًا مضادًا للدروع وقطع طيران مسير تحت غطاء شحنة مواد غذائية، وفي تموز/يوليو2025 أحبطت البحرية اليمنية أكبر عملية تهريب عبر ضبط سفينة تحمل 750 طنًا من الأسلحة الإيرانية قبل وصولها للحوثيين.

كما شن الحوثيون هجمات مباغتة على القوات الحكومية في الساحل الغربي في جبال دباس بمديرية جبل راس في محافظة الحديدة، لكن تم صدهم من قبل قوات الزرانيق العسكرية دون تحقيق أي تقدم. وهذه الهجمات ليست عبثية، بل لأنها تدرك أن هذه المواقع تمثل السد المنيع والعقدة التي تعيق مخططاتها للتقدم جنوب الحديدة، بعدما تراجعت معظم جبهات القتال في اليمن منذ نيسان/أبريل 2022 إثر هدنة رعتها الأمم المتحدة بين الحكومة والحوثيين.