مجتمع مدني

السبت - 23 مايو 2026 - الساعة 11:21 ص بتوقيت اليمن ،،،

ماهر باهديلة


لم تكن أسماء المدارس في عدن يوماً مجرد لوحات تُعلّق على المباني، بل كانت انعكاساً مباشراً للمرحلة السياسية والفكرية والاجتماعية التي تمر بها المدينة. فكل حقبة تركت بصمتها على أسماء المدارس، حتى أصبحت هذه الأسماء سجلا غير مكتوب لتحولات عدن عبر الزمن.

في عهد الاستعمار البريطاني، حملت المدارس أسماء ذات طابع إداري أو بريطاني، مرتبطة بالحكم القائم آنذاك. وبعد الاستقلال، شهدت عدن موجة تغيير واسعة للأسماء، فاستُبدلت بأسماء الشهداء والمناضلين ورموز الكفاح المسلح ضد الاستعمار، تعبيراً عن ميلاد مرحلة وطنية جديدة ووفاءً لتضحيات مناضليها.

ومع تعاقب المراحل السياسية، استمرت عملية التغيير، فظهرت أسماء مرتبطة بقيادات سياسية وتربوية، وأحداث وطنية، وذكريات الثورات، والوحدة، والانتصارات العسكرية، بل وحتى محطات الصراع السياسي المختلفة.

وكل سلطة كانت تسعى لترسيخ روايتها وهويتها من خلال المؤسسات التعليمية، باعتبار المدرسة إحدى أهم أدوات تشكيل وعي الأجيال.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم:
هل يجب أن تبقى أسماء المدارس رهينة التغيرات السياسية، أم أن من حق عدن أن تحتفظ بأسمائها التاريخية التي تمثل ذاكرتها المدنية والثقافية؟

إن عدن ليست مدينة طارئة على التاريخ، بل مدينة عريقة عرفت التعليم النظامي مبكرًا منذ القرن التاسع عشر، واحتضنت مدارس شكّلت جزءا من هويتها الحضارية والاجتماعية.

ولذلك فإن اختيار أسماء المدارس ينبغي أن يتم بروح تحفظ تاريخ المدينة وتنوعها وعمقها الثقافي، بعيدًا عن ردود الفعل المرحلية أو الاستقطاب السياسي.

فالأسماء التي تبقى في ذاكرة الناس لعقود ليست بالضرورة أسماء المنتصرين سياسيًا، بل الأسماء التي ترتبط بالعلم، والثقافة، والرموز المجتمعية، والشخصيات التي خدمت عدن والإنسان دون انقسام أو إقصاء.

ومن الحكمة اليوم أن تُراعى عدة أمور عند تسمية المدارس أو إعادة تسميتها، منها:

الحفاظ على الأسماء التاريخية ذات القيمة المجتمعية والتراثية.

تكريم الرموز التعليمية والثقافية والعلمية المؤثرة في تاريخ عدن.

الابتعاد عن الأسماء المرتبطة بالصراعات المؤقتة والانقسامات السياسية.

مراعاة هوية المدينة وتنوعها الاجتماعي والثقافي.

إشراك المجتمع المحلي والتربوي في أي تغيير يمس ذاكرة المؤسسات التعليمية.

فالمدرسة ليست مجرد مبنى للتعليم، بل جزء من ذاكرة المدينة ووجدان أهلها.
وحين نحافظ على أسماء تحمل عبق التاريخ وروح عدن الحقيقية، فإننا لا نحفظ اسما فقط، بل نحفظ هوية مدينة كاملة للأجيال القادمة.