أخبار وتقارير

الثلاثاء - 19 مايو 2026 - الساعة 12:09 م بتوقيت اليمن ،،،


إعداد
القبطان: محمد سيف جبران
خبير دولي في الأمن البحري
قائد سفينة حربية سابق في بحرية عدن
المدير العام للهيئة العامة للشؤون البحرية – عدن
محاضر معتمد لدى المنظمة البحرية الدولية

الملخص التنفيذي

يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، إذ يربط الخليج بخليج عُمان والمحيط الهندي. ويعبر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية وما يقارب 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا. ووفقًا لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، بلغ متوسط تدفقات النفط عبر المضيق نحو 20 مليون برميل يوميًا خلال عام 2024.

وحتى 18 مايو 2026، لا تزال البيئة الأمنية الإقليمية شديدة التقلب، مع استمرار عمليات مكافحة الألغام الأوروبية في محيط المضيق، واستمرار التوترات الدبلوماسية داخل مجلس الأمن الدولي بشأن أمن الملاحة والعقوبات وحرية العبور البحري.

تقدم هذه الدراسة تحليلًا قانونيًا واستراتيجيًا استشرافيًا لأزمة مضيق هرمز، من خلال إطار متكامل يجمع بين القانون البحري، والاستراتيجية البحرية، والأمن البحري، واقتصاديات الطاقة، والتنافس الجيوسياسي. وتخلص الدراسة إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في حالة جمود متوتر أو تصعيد مضبوط، وليس حربًا إقليمية شاملة.

كما توضح الدراسة أن الأزمات البحرية الحديثة لم تعد تقتصر على المواجهات البحرية التقليدية، بل أصبحت تشمل تهديدات هجينة مثل الحرب السيبرانية، وتعطيل التأمين البحري، والحرب الإلكترونية، وتهديد الكابلات البحرية، وحروب المعلومات، والضغوط الاقتصادية.

المقدمة

يحظى مضيق هرمز بأهمية جيوسياسية وقانونية استثنائية ضمن النظام البحري الدولي. فأي اضطراب في الملاحة عبر المضيق ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة العالمية، وطرق التجارة الدولية، وأنظمة التأمين، والبنية التحتية للاتصالات، والاستقرار الاستراتيجي الإقليمي.

ولا يزال الوضع القانوني للمضيق محل خلاف بين تفسيرين رئيسيين:

يركز التفسير الإيراني على الحقوق السيادية، وتنظيم الأمن، والنظام القانوني للمرور البريء.

بينما يركز التفسير الغربي على نظام المرور العابر وفقًا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.

وقد اكتسب هذا الخلاف القانوني أهمية متزايدة في ظل التوترات العسكرية المتكررة، والعقوبات، وحوادث الحرب الإلكترونية، والعمليات الأمنية البحرية.

الخلفية الجغرافية والقانونية

يقع مضيق هرمز بين إيران شمالًا وسلطنة عُمان جنوبًا، ويربط الخليج بخليج عُمان والمحيط الهندي. ويبلغ عرض المضيق عند أضيق نقطة نحو 21 ميلًا بحريًا بين جزيرة قشم الإيرانية وشبه جزيرة مسندم العُمانية.

ويرى الفقه القانوني الإيراني أن مجموع البحر الإقليمي لكل من إيران وعُمان يتجاوز عرض المضيق، بما لا يترك أي مساحة لأعالي البحار عند أضيق نقطة. في المقابل، يرى الفقه الغربي أن نظام المرور العابر يظل مطبقًا في المضائق الدولية بغض النظر عن وجود مناطق لأعالي البحار.

كما تستند إيران جزئيًا إلى نظرية “الاعتراض المستمر” فيما يتعلق ببعض تفسيرات اتفاقية قانون البحار، مستندة إلى اعتراضاتها الدبلوماسية الرسمية منذ ثمانينيات القرن الماضي.

استراتيجيًا، تسيطر إيران على عدة جزر مهمة داخل المضيق، أبرزها جزيرة قشم، وجزيرة لارك، وجزيرة هرمز، إضافة إلى الجزر الثلاث المتنازع عليها مع الإمارات العربية المتحدة منذ عام 1971.

الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية

يمثل مضيق هرمز أحد أهم شرايين نظام الطاقة العالمي. إذ تتجه نحو 84% من صادرات النفط العابرة للمضيق إلى الأسواق الآسيوية، خصوصًا الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية.

وتُعد السعودية أكبر مصدر للنفط عبر المضيق، بينما تعتمد قطر بصورة شبه كاملة على المضيق في صادرات الغاز الطبيعي المسال. أما خطوط الأنابيب البديلة فلا تمتلك سوى قدرة محدودة مقارنة بإجمالي حجم التدفقات عبر هرمز.

ولا تقتصر أهمية المضيق على الطاقة فقط، إذ تمر عبره أيضًا كابلات الاتصالات البحرية الدولية التي تنقل جزءًا كبيرًا من حركة الاتصالات والبيانات والمعاملات المالية الرقمية في الشرق الأوسط وجنوب آسيا.

وبالتالي، فإن أي اضطراب كبير في المضيق قد يؤدي إلى تأثيرات مباشرة على أسعار الطاقة العالمية، وتكاليف الشحن البحري، وأسواق التأمين، والبنية التحتية للاتصالات والإنترنت، وسلاسل الإمداد، وأنظمة المدفوعات المالية.

الأمن البحري والسلامة البحرية:

مجالات التداخل والتأثير

تكشف أزمة مضيق هرمز عن تزايد التداخل بين الأمن البحري والسلامة البحرية.

فالأمن البحري يتعلق بالحماية من التهديدات المتعمدة مثل الإرهاب والقرصنة والتخريب والهجمات العسكرية والحرب الإلكترونية والعمليات السيبرانية.

أما السلامة البحرية فتتعلق بمنع الحوادث البحرية مثل التصادمات والجنوح والحرائق، عبر أنظمة فنية وتشغيلية تشمل أنظمة فصل حركة السفن، وخدمات المرور البحري، وأنظمة البحث والإنقاذ، وقواعد الملاحة الدولية.

وفي الأزمات البحرية الحديثة أصبح الفصل بين الأمن والسلامة أكثر صعوبة، إذ يمكن للتشويش على أنظمة الملاحة أو انتحال إشارات التعريف الآلي للسفن أن يبدأ كخلل تقني، لكنه قد يتحول سريعًا إلى أزمة عسكرية أو دبلوماسية إذا دخلت السفن مياهًا متنازعًا عليها أو تعرضت لحوادث تصادم.

ولذلك، فإن أي إطار أمني مستقبلي في مضيق هرمز سيحتاج إلى آليات دولية مستقلة للتحقيق الفني تعمل تحت إشراف مؤسسات بحرية دولية معترف بها.

نظام فصل حركة الملاحة والقيود التشغيلية

تم إنشاء نظام فصل حركة الملاحة في مضيق هرمز لتنظيم الملاحة داخل أحد أكثر الممرات البحرية ازدحامًا وحساسية استراتيجية في العالم.

وتتركز ممرات الملاحة في الجزء الجنوبي من المضيق نتيجة عوامل تشغيلية وهيدروغرافية متعددة، تشمل تفاوت الأعماق، والشعاب المرجانية، وحقول الألغام التاريخية، والتيارات البحرية الدائرية، وقرب الجزر الاستراتيجية.

ويتضمن النظام مسارات دخول وخروج تفصل بينها مناطق عازلة ومناطق احترازية تهدف إلى تقليل مخاطر التصادم وتنظيم حركة الملاحة.

وقد اعترضت إيران بصورة متكررة على بعض الجوانب القانونية والتشغيلية للنظام، لكنها امتنعت في الوقت ذاته عن تقديم اعتراض رسمي على بعض الترتيبات الملاحية التي اعتمدتها المنظمة البحرية الدولية.

ديناميكيات التصعيد والقدرات العسكرية

تمتلك إيران قدرات بحرية غير متماثلة واسعة تشمل الزوارق السريعة، والألغام البحرية، والصواريخ الساحلية، والغواصات الصغيرة، والطائرات المسيّرة، والزوارق غير المأهولة المفخخة، وأنظمة الحرب الإلكترونية.

وتحدد الدراسة سلّمًا تصعيديًا مكوّنًا من عشر مراحل، يبدأ بالتوترات الدبلوماسية والتشويش الإلكتروني، وقد يصل إلى حرب ناقلات شاملة أو نزاع إقليمي واسع.

ورغم قدرة إيران على تعطيل الملاحة مؤقتًا، فإن فرض إغلاق كامل ومستدام للمضيق سيظل أمرًا صعبًا من الناحية العملياتية بسبب التفوق البحري الدولي والتداعيات الاقتصادية على جميع الأطراف الإقليمية.

الألغام البحرية والتهديدات السيبرانية والحرب الهجينة

تشهد النزاعات البحرية الحديثة تداخلًا متزايدًا بين التهديدات التقليدية والحرب السيبرانية وحروب المعلومات.

وتشمل التهديدات الهجينة المحتملة التشويش على أنظمة الملاحة، وانتحال إشارات التعريف الآلي، والهجمات السيبرانية على أنظمة الملاحة والموانئ، وحملات التضليل الإعلامي، وتعطيل الكابلات البحرية.

ويمثل استهداف الكابلات البحرية خطرًا استراتيجيًا بالغًا، إذ تعتمد عليها خدمات الإنترنت والاتصالات والمعاملات المالية الإقليمية.

كما تظل الألغام البحرية من أكثر أدوات الحرب غير المتماثلة فاعلية، خاصة الألغام الذكية المزودة بحساسات مغناطيسية وصوتية، والتي تعقّد عمليات إزالة الألغام وتطيل أمد الاضطرابات البحرية.

الاعتبارات الإنسانية والبيئية:

يفرض القانون الدولي الإنساني المطبق في البحار ضرورة التمييز الصارم بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية.

وتظل ناقلات النفط والمنشآت المدنية ومحطات التحلية والكابلات البحرية متمتعة بالحماية القانونية ما لم تُستخدم مباشرة في عمليات عسكرية.

كما تبقى المخاطر البيئية شديدة الخطورة، إذ يمكن لأي حادث ناقلة أو عملية زرع ألغام أن يؤدي إلى كوارث بيئية تؤثر على الثروة السمكية ومحطات التحلية والأنظمة البيئية الساحلية والاقتصادات الإقليمية.

ونظرًا لاتجاه التيارات البحرية الدائري في المنطقة، فإن أي تلوث نفطي قرب السواحل الشمالية سيتجه غالبًا نحو السواحل الجنوبية للخليج.

السيناريوهات المستقبلية المحتملة:

تحدد الدراسة خمسة سيناريوهات رئيسية محتملة.

السيناريو الأول والأكثر ترجيحًا هو “الجمود المتوتر” بنسبة تقارب 40%، ويتضمن هجمات متفرقة وتشويشًا إلكترونيًا ومواجهات محدودة دون اندلاع حرب شاملة.

السيناريو الثاني هو “التصعيد المضبوط” بنسبة تقارب 30%، ويتضمن عمليات زرع ألغام محدودة، وهجمات على السفن التجارية، وزيادة عمليات الحماية البحرية والمرافقة المسلحة.

أما السيناريو الثالث فهو “التصعيد الشامل” بنسبة تقارب 15%، وقد يشهد مواجهة عسكرية واسعة النطاق واضطرابًا حادًا في أسواق الطاقة العالمية.

السيناريو الرابع يتمثل في “انهيار منظومة التأمين” بنسبة تقارب 5%، حيث تنسحب شركات التأمين وإعادة التأمين من تغطية المخاطر البحرية حتى دون إغلاق فعلي للمضيق، ما يؤدي عمليًا إلى تراجع حركة الملاحة.

أما السيناريو الخامس فهو “الاحتواء الدبلوماسي” بنسبة تقارب 10%، حيث تنجح جهود الوساطة الدولية والإقليمية في خفض التوترات وإعادة الاستقرار النسبي للملاحة.

كما تشير الدراسة إلى أن أي اضطراب متزامن في مضيق هرمز وباب المندب سيؤدي إلى تأثير “الاختناق المزدوج”، بما قد يضاعف تكاليف الطاقة والشحن عالميًا بصورة كبيرة.

القوى الدولية والإقليمية

تتداخل في الأزمة مصالح قوى دولية وإقليمية متعددة ذات أولويات مختلفة.

تركز الولايات المتحدة على حماية حرية الملاحة وعمليات الردع البحري.

أما الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية فتركز على ضمان تدفق الطاقة مع تفضيل الحلول الدبلوماسية على التصعيد العسكري.

وتستفيد روسيا اقتصاديًا من ارتفاع أسعار الطاقة، مع استمرار تنسيقها الاستراتيجي مع إيران.

في المقابل، تعطي دول الخليج أولوية لحماية البنية التحتية واستقرار الملاحة واستمرار الصادرات.

وتواصل سلطنة عُمان أداء دور الوسيط الإقليمي المتوازن.

أما المنظمة البحرية الدولية فتمتلك الشرعية القانونية والفنية فيما يتعلق بقواعد الملاحة، لكنها تفتقر إلى سلطة تنفيذية مباشرة، وهو ما يمثل أحد أبرز أوجه الأزمة الحالية.

اليمن وباب المندب والأمن البحري

لا يمكن فصل أمن مضيق هرمز عن التطورات في باب المندب والبحر الأحمر.

يؤدي خفر السواحل اليمني، الذي أُنشئ عام 2002 ويتبع وزارة الداخلية، مهام بحرية مهمة تشمل حماية السواحل، والبحث والإنقاذ، ومكافحة التهريب والقرصنة، والمراقبة البحرية.

في المقابل، تمثل الهيئة العامة للشؤون البحرية الإدارة البحرية المدنية في اليمن، والمسؤولة عن تسجيل السفن والسلامة البحرية وتنفيذ الاتفاقيات البحرية الدولية وحماية البيئة البحرية.

وتخلص الدراسة إلى أن دعم المؤسسات البحرية اليمنية، وأهمها خفر السواحل، يمثل أحد أقل الخيارات تكلفة وأكثرها جدوى لتعزيز أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب وبحر العرب على المدى الطويل.

السرديات المتنافسة والحياد الأكاديمي

تتشكل أزمة مضيق هرمز من خلال سرديات قانونية وجيوسياسية متنافسة.

فإيران تقدم تحركاتها باعتبارها دفاعًا عن السيادة والإجراءات الأمنية ومواجهة للعقوبات.

بينما تؤكد الدول الغربية على حرية الملاحة ونظام المرور العابر وحماية النظام البحري الدولي.

أما الدول الآسيوية المستوردة للطاقة فتركز على أمن الطاقة والاستقرار الدبلوماسي.

ولا تتبنى هذه الدراسة أي سردية سياسية حصرية، بل تعترف بأن جميع الأطراف تمتلك في الوقت ذاته هواجس أمنية مشروعة وممارسات قابلة للنقاش القانوني.

ويقتضي الحياد الأكاديمي الفصل بين التفسير القانوني والمصالح الجيوسياسية والوقائع العملياتية والخطاب السياسي.

الخاتمة

تعكس أزمة مضيق هرمز التحول العميق في طبيعة الصراعات البحرية في القرن الحادي والعشرين. فالمخاطر البحرية الحديثة لم تعد تقتصر على المواجهات العسكرية التقليدية، بل أصبحت تشمل الحرب السيبرانية، والضغوط الاقتصادية، وحروب المعلومات، وتعطيل التأمين، وتهديد البنية التحتية الرقمية.

وتخلص الدراسة إلى أن التصعيد المضبوط والتوتر الاستراتيجي الممتد يظلان أكثر ترجيحًا من اندلاع حرب إقليمية شاملة.

كما قد يشكل تعطل منظومة التأمين البحري خطرًا اقتصاديًا يفوق خطر الإغلاق الفعلي للمضيق نفسه.

وأصبح الأمن السيبراني البحري والكابلات البحرية جزءًا أساسيًا من منظومة الردع الاستراتيجي الحديثة.

ويظل بناء منظومة ردع بحرية فعالة مرهونًا بتكامل الأدوات القانونية والتقنية والعسكرية والاقتصادية والدبلوماسية ضمن إطار دولي قادر على إدارة الأزمات ومنع الانزلاق نحو التصعيد الشامل.

وفي النهاية، سيبقى مضيق هرمز على الأرجح منطقة توتر استراتيجي مُدار، تتعايش فيها الردع المتبادل، والاعتماد الاقتصادي المتبادل، والتنافس الجيوسياسي في آن واحد.

المراجع الأساسية

اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)

المنظمة البحرية الدولية (IMO)

إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA)

المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)

مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)

Lloyd’s List Intelligence

دليل سان ريمو بشأن القانون الدولي المطبق على النزاعات المسلحة في البحار

تقارير UKMTO

تقارير القوات البحرية المشتركة (CMF)

اتفاقية قمع الأعمال غير المشروعة ضد سلامة الملاحة البحرية (SUA)

مدونة ISPS
للأمن البحري

اتفاقية البحث والإنقاذ البحري (SAR)

اتفاقية MARPOL
لمنع التلوث البحري

الاتفاقية الدولية لمنع التصادم في البحار (COLREGs)