عرب وعالم

الثلاثاء - 19 مايو 2026 - الساعة 10:54 ص بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


كل حرب كبرى شهدها الشرق الأوسط تركت المنطقة مختلفة بصورة دائمة، وبطرق لم يكن أحد يتوقعها بالكامل وقت وقوعها. فالحرب العربية الإسرائيلية عام 1948 أفرزت أزمة لاجئين ما تزال تداعياتها السياسية والإنسانية قائمة حتى اليوم، بينما أعادت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 تشكيل النظام الأمني الإقليمي حول خطوط انقسام جديدة لم تكن مطروحة من قبل.

وأما الغزو الأميركي للعراق عام 2003 فقد فتح الباب أمام صعود النفوذ الإيراني في المشرق العربي بطريقة استغرقت سنوات طويلة لفهم نتائجها الكاملة.

واليوم، تبدو الحرب على إيران عام 2026 مرشحة للانضمام إلى قائمة الحروب التي ستعيد رسم ملامح المنطقة لعقود مقبلة، ليس لأن نتائجها حُسمت بصورة نهائية، بل لأنها كسرت قواعد قديمة وفرضت وقائع جديدة يصعب التراجع عنها.

ورغم أن النظام الإيراني خرج من الحرب مثقلاً بالخسائر العسكرية والسياسية، فإنه بقي قائماً، وهو ما يُعد بحد ذاته تحولاً مهماً في حسابات المنطقة. فجزء أساسي من الرهان الأميركي والإسرائيلي كان يقوم على أن الضربات الواسعة قد تؤدي إلى انهيار النظام أو على الأقل إلى إضعافه بصورة تدفع نحو تغيير سياسي داخلي، لكن ما حدث كان مختلفاً.

وتمكنت الجمهورية الإسلامية من امتصاص أكبر حملة عسكرية تتعرض لها منذ عقود، رغم استهداف منشآتها النووية والعسكرية ومقتل شخصيات بارزة في هرم السلطة. غير أن بقاء النظام لا يعني أن الأمور عادت إلى ما كانت عليه، إذ يبدو أن القيادة الإيرانية خرجت بقناعة أكثر رسوخاً بأن سياسة “العتبة النووية” لم تعد كافية لضمان الردع. فالدولة التي كانت تفاوض حول برنامجها النووي تعرضت للقصف مرتين خلال المفاوضات نفسها، وهو ما سيدفع طهران إلى إعادة النظر في مفهوم الردع الذي تتبناه، خصوصاً في ظل المقارنة التي تتكرر داخل الأوساط الإيرانية بين تجربة كوريا الشمالية، التي امتلكت السلاح النووي وحصلت على تفاوض مباشر مع واشنطن، وتجربة إيران التي تفاوضت وتعرضت للهجوم.

وفي المقابل، دخل الخليج مرحلة مختلفة تماماً عن الصورة التي سعى إلى ترسيخها خلال العقدين الماضيين باعتباره منطقة استقرار وازدهار اقتصادي بعيدة عن اضطرابات الشرق الأوسط التقليدية.

وأظهرت الحرب هشاشة هذه الصورة بعدما تعرضت منشآت حيوية وبنى تحتية استراتيجية في السعودية والإمارات والكويت والبحرين لسلسلة من الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

كما استُنزفت منظومات الدفاع الجوي الخليجية بوتيرة غير مسبوقة، بينما تحولت الموانئ والمنشآت النفطية إلى أهداف مباشرة في قلب المواجهة الإقليمية.

والأهم من ذلك أن الحرب كشفت محدودية الضمانات الأمنية الأميركية، إذ وجدت دول الخليج نفسها طرفاً متضرراً في حرب لم تخترها أصلاً، رغم عقود من الشراكات الدفاعية المكلفة مع واشنطن.

ولهذا بدأت العواصم الخليجية تعيد التفكير في استراتيجياتها الأمنية، ليس بهدف الاستغناء الكامل عن الولايات المتحدة، بل لتقليل الاعتماد عليها وبناء قدرات دفاعية أكثر استقلالية وتنوعاً.

وفي ظل هذه التحولات، تلقى مشروع التطبيع العربي الإسرائيلي ضربة قوية. فقبل الحرب كانت “اتفاقات أبراهام” تمضي في مسار تصاعدي، وكانت السعودية تُعتبر الحلقة الأهم التي تسعى واشنطن إلى ضمها لهذا المحور الإقليمي. لكن مشاهد الحرب والدمار في غزة ولبنان وإيران غيّرت المزاج الشعبي العربي بصورة واضحة، وأعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الرأي العام العربي باعتبارها جزءاً من صورة أوسع للهيمنة العسكرية الإسرائيلية في المنطقة.

وأصبح أي حديث عن تطبيع جديد يواجه كلفة سياسية داخلية مرتفعة، حتى بالنسبة للدول التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة.

وقد لا يكون مشروع التطبيع قد انتهى نهائياً، لكنه دخل مرحلة جمود ستفرض على واشنطن إعادة النظر في تصورها لبناء تحالف إقليمي عربي-إسرائيلي ضد إيران.

وفي الولايات المتحدة نفسها، بدأت الحرب تترك آثاراً عميقة على طبيعة العلاقة مع إسرائيل. فالدعم الأميركي لإسرائيل ظل لعقود أحد أكثر ثوابت السياسة الخارجية الأميركية رسوخاً، لكن حرب 2026 أدخلت عنصراً جديداً إلى النقاش الداخلي، يتمثل في تنامي الشعور لدى قطاعات واسعة من الأميركيين بأن إسرائيل دفعت واشنطن إلى حرب مكلفة لا ترغب بها.

وقد انعكس ذلك في تراجع شعبية الرئيس دونالد ترامب، مع ارتفاع أسعار الطاقة وتداعيات إغلاق مضيق هرمز على الاقتصاد الأميركي.

كما بدأت مواقف كانت محصورة سابقاً داخل الجناح التقدمي للحزب الديمقراطي، مثل ربط المساعدات العسكرية لإسرائيل بسلوكها الميداني أو المطالبة بمحاسبتها على الخسائر المدنية، تجد مساحة أوسع داخل النقاش السياسي الأميركي.

وهذا لا يعني انهيار التحالف الأميركي الإسرائيلي، لكنه يشير إلى تصدع تدريجي في قاعدة الدعم غير المشروط التي تمتعت بها إسرائيل لعقود.

وفي المقابل، برزت الصين باعتبارها المستفيد الدبلوماسي الأكبر من الحرب، رغم أنها لم تشارك عسكرياً ولم تتحمل أعباء المواجهة المباشرة. فقد نجحت بكين في تقديم نفسها كقوة قادرة على التواصل مع جميع الأطراف، وساهمت في دفع إيران نحو مفاوضات إسلام آباد، كما كثفت تحركاتها الدبلوماسية مع دول الخليج في توقيت حساس.

والأهم أن الصين ظهرت باعتبارها طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات إقليمية مستقبلية، بعدما أثبتت قدرتها على توظيف أدواتها الاقتصادية والسياسية دون الانخراط في حروب مباشرة.

وهذا التحول يعزز صورة بكين كقوة صاعدة قادرة على لعب دور متزايد في الشرق الأوسط، في وقت تتعرض فيه الهيمنة الأميركية التقليدية لاختبارات متكررة.

كما دفعت الحرب ملف الانتشار النووي إلى واجهة المشهد الدولي بصورة غير مسبوقة. فتعرض إيران للقصف خلال مفاوضات نووية بعث برسالة واضحة إلى العديد من الدول مفادها أن امتلاك القدرة النووية قد يكون الضمانة الوحيدة ضد الاستهداف الخارجي.

ولهذا بدأت دول مثل السعودية وتركيا تراقب التطورات بعناية أكبر، مع تصاعد النقاش حول الحاجة إلى برامج نووية أكثر تقدماً.

كما أعادت الحرب طرح أسئلة جدية حول مصداقية المظلة الأمنية الأميركية، ليس فقط في الشرق الأوسط بل أيضاً لدى حلفاء واشنطن في آسيا، مثل كوريا الجنوبية واليابان، الذين تابعوا كيف استنزفت الحرب القدرات العسكرية الأميركية وأثرت في أولوياتها الاستراتيجية.

لكن ربما يكون التحول الأعمق هو ذلك المتعلق بصورة الخليج عن نفسه. فقد بنت دول الخليج خلال السنوات الماضية نموذجاً يقوم على تقديم المنطقة باعتبارها مركزاً عالمياً للاستثمار والسياحة والأعمال، بعيداً عن الفوضى التقليدية في الشرق الأوسط. إلا أن الحرب كسرت هذه الصورة عندما عاش ملايين السكان والمقيمين تحت تهديد الصواريخ والطائرات المسيّرة، وشاهدوا المنشآت النفطية تحترق وسلاسل الإمداد الغذائية تتعطل.

وأصبح المستثمرون الأجانب يدركون أن الاستقرار الخليجي لم يعد أمراً مسلماً به، وأن أي صراع إقليمي واسع قد يطال قلب المراكز الاقتصادية والمالية في المنطقة.

وفي المحصلة، فإن الشرق الأوسط الذي سيخرج من حرب إيران لن يكون شبيهاً بما كان عليه قبلها. فالنظام الإقليمي القديم الذي استند إلى التفوق الأميركي المطلق، والردع التقليدي، ومسارات التطبيع المتسارعة، دخل مرحلة اهتزاز عميق.

وفي المقابل، تظهر معادلات جديدة تقوم على تعدد مراكز النفوذ، وتزايد أدوار القوى الإقليمية والدولية غير التقليدية، وارتفاع الشكوك في فعالية التحالفات القديمة.

وربما تكون الحقيقة الوحيدة الواضحة حتى الآن أن المنطقة دخلت مرحلة انتقالية طويلة، لا تزال ملامحها النهائية غير محسومة، لكن آثارها ستبقى حاضرة لعقود مقبلة.