عرب وعالم

الإثنين - 18 مايو 2026 - الساعة 12:09 م بتوقيت اليمن ،،،

توفيق جوزوليت


كان امحمد بوستة واحداً من آخر رجالات المغرب الذين جمعوا بين الحكمة والصرامة ونظافة اليد. لم يكن مجرد سياسي عابر، بل مدرسة قائمة بذاتها في الوطنية والالتزام والثبات على المبادئ، في زمن أصبحت فيه المواقف تُباع وتُشترى، وتراجع فيه المعنى الحقيقي للعمل السياسي.

لقد بصم الراحل مساره بخدمة وطنية طويلة، سواء من خلال تقلده مسؤوليات حكومية ودبلوماسية رفيعة، أو عبر قيادته لـ حزب الاستقلال في واحدة من أدق المراحل السياسية التي عرفها المغرب. وكان طوال مسيرته نموذجاً لرجل الدولة الذي يضع الوطن فوق كل اعتبار، ويؤمن بأن السياسة أخلاق ومواقف قبل أن تكون مناصب ومصالح.

تميّز امحمد بوستة رحمه الله بمواقفه الصارمة التي لا تعرف المساومة عندما يتعلق الأمر بمصلحة الوطن أو هيبة العمل السياسي. لم يكن من السياسيين الذين يلهثون وراء الأضواء أو الامتيازات، بل كان يزن كلماته بميزان الحكمة، ويتخذ مواقفه بثبات الرجال الكبار، ولذلك ظل يحظى باحترام خصومه قبل أنصاره.

وفي عهده، كان حزب الاستقلال يمتلك وزنه التاريخي وهيبته السياسية والفكرية، وكان مدرسة للنضال والتأطير وإنتاج النخب، لا مجرد واجهة انتخابية أو ساحة للمصالح الضيقة. وبعد رحيله، شعر كثيرون بأن الحزب فقد جزءاً كبيراً من روحه وهيبته وانضباطه، لأن الرجال من طينته لا يتكررون بسهولة.

ومن أبرز المواقف التي طبعت مساره السياسي، رفضه عرض الملك الراحل الحسن الثاني لتولي رئاسة الحكومة خلال مرحلة سياسية حساسة. فقد فضّل التمسك بقناعاته وشروطه المرتبطة بالإصلاح السياسي الحقيقي، على القبول بمنصب كبير لا ينسجم مع تصوراته لمصلحة الوطن. وكان ذلك الموقف كافياً ليؤكد أنه رجل مبادئ لا رجل امتيازات.

لقد مثّل الراحل جيلاً من الوطنيين المغاربة الذين آمنوا بأن السياسة أخلاق قبل أن تكون مصالح، وأن خدمة الوطن مسؤولية وليست امتيازاً. ورغم رحيله، سيظل أثره محفوراً في ذاكرة المغرب وفي تاريخ الحركة الوطنية، باعتباره واحداً من الرجال الذين حافظوا على وقار الدولة وهيبة العمل الحزبي.

رحم الله امحمد بوستة، الرجل الذي رحل جسداً، لكنه بقي رمزاً للرصانة والوطنية والوفاء للمبادئ. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: أين نحن من تلك المدرسة السياسية التي كانت تجعل من المبدأ أعلى من المنصب، ومن الوطن فوق كل الحسابات؟