عرب وعالم

الأربعاء - 13 مايو 2026 - الساعة 12:12 م بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


حذّرت تقييمات استخباراتية أميركية حديثة من أن إيران تمكنت، خلال فترة قصيرة نسبياً بعد توقف المواجهات العسكرية المباشرة، من استعادة جزء كبير من قدراتها الصاروخية، في تطور يعكس محدودية تأثير الضربات التي استهدفت بنيتها العسكرية خلال الحرب الأخيرة، ويثير مخاوف متزايدة داخل واشنطن وحلفائها الخليجيين من عودة التهديد الصاروخي الإيراني بوتيرة أسرع من المتوقع.

وبحسب ما كشفته صحيفة “نيويورك تايمز” نقلاً عن مسؤولين مطلعين على التقييمات السرية، فإن إيران استعادت القدرة التشغيلية في 30 من أصل 33 موقعاً صاروخياً على امتداد مضيق هرمز، إضافة إلى إعادة الوصول إلى غالبية منشآت تخزين وإطلاق الصواريخ تحت الأرض، وهو ما يشير إلى أن البنية الأساسية للبرنامج الصاروخي الإيراني لم تتعرض لشلل كامل رغم أشهر من الضربات والاستهدافات.

وتعزز هذه المعطيات الانطباع المتزايد داخل الأوساط الأمنية الأميركية بأن الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى منذ أواخر فبراير الماضي، نجحت في إبطاء بعض القدرات الإيرانية، لكنها لم تنجح في تدمير منظومة الردع الصاروخي التي تعتبرها طهران حجر الأساس في استراتيجيتها الدفاعية والإقليمية.

ويبدو أن أحد أبرز مصادر القلق الأميركي يتمثل في احتفاظ إيران بنسبة كبيرة من منصات الإطلاق المتنقلة ومخزونها الصاروخي. فالتقييمات تشير إلى أن طهران ما تزال تحتفظ بنحو 70 في المئة من منصات الإطلاق المتحركة، إضافة إلى ما يقارب 70 في المئة من ترسانتها الصاروخية التي كانت تمتلكها قبل اندلاع الحرب، وهو ما يعني أن قدرتها على تنفيذ هجمات صاروخية واسعة لم تتراجع بالقدر الذي كانت تراهن عليه واشنطن.

وتكتسب هذه التقديرات أهمية خاصة في ظل الموقع الجغرافي للمواقع الصاروخية الإيرانية، خصوصاً تلك المنتشرة على طول مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لنقل النفط والتجارة العالمية. فاستعادة النشاط العملياتي في هذه المواقع تعني عملياً أن إيران ما تزال قادرة على تهديد الملاحة البحرية والمنشآت النفطية في حال انهيار الهدنة الحالية وعودة التصعيد العسكري.

كما تعكس قدرة إيران على إعادة تشغيل منشآتها تحت الأرض حجم التعقيد الذي تواجهه أي حملة عسكرية تستهدف البرنامج الصاروخي الإيراني. فطهران استثمرت على مدى سنوات في بناء شبكة واسعة من الأنفاق والقواعد المحصنة، ما جعل جزءاً كبيراً من بنيتها الصاروخية أقل عرضة للتدمير الكامل، حتى في ظل الضربات الجوية المكثفة.

ويرى مراقبون أن نتائج التقييمات الأميركية الأخيرة قد تعيد فتح النقاش داخل واشنطن بشأن جدوى المقاربة العسكرية وحدها في التعامل مع إيران. فالحرب الأخيرة، رغم حجمها واتساع نطاقها، أظهرت أن استنزاف القدرات الإيرانية لا يعني بالضرورة القضاء عليها، خاصة مع اعتماد طهران على تكتيكات المرونة والانتشار الجغرافي واستخدام المنصات المتحركة.

كما أن استمرار امتلاك إيران لجزء كبير من ترسانتها الصاروخية يمنحها هامشاً مهماً للحفاظ على سياسة الردع الإقليمي، سواء في مواجهة الولايات المتحدة أو إسرائيل أو حتى في إطار الضغط على دول الخليج والممرات البحرية الحيوية.

وفي هذا السياق، تتزايد المخاوف الأميركية من أن تستغل إيران الهدنة الحالية لإعادة ترتيب قدراتها العسكرية بصورة أوسع، مستفيدة من تراجع وتيرة الضربات المباشرة.

وتشير بعض التقديرات إلى أن طهران عملت خلال الأسابيع الماضية على إعادة تموضع منصات الإطلاق المتنقلة ونقل جزء من مخزونها الصاروخي إلى مواقع أكثر أمناً، في محاولة لتقليل فرص استهدافها مستقبلاً.

ولا تقتصر المخاوف الغربية على الجانب العسكري فقط، بل تمتد أيضاً إلى التأثيرات الاستراتيجية الأوسع. فتعافي الترسانة الصاروخية الإيرانية قد يعقّد أي جهود مستقبلية لإحياء مسار تفاوضي مستقر بين واشنطن وطهران، إذ ترى أطراف داخل الإدارة الأميركية أن استعادة إيران لقدراتها العسكرية بسرعة قد تدفعها إلى التشدد في المفاوضات أو العودة إلى سياسة الضغط الميداني.

وفي المقابل، تنظر إيران إلى برنامجها الصاروخي باعتباره خط الدفاع الأساسي عن أمنها القومي، خاصة في ظل غياب توازن تقليدي مع القوى العسكرية الغربية والإقليمية.

ولهذا، ترفض طهران باستمرار إدراج برنامجها الصاروخي ضمن أي مفاوضات سياسية أو أمنية، معتبرة أنه جزء غير قابل للتفاوض من منظومتها الدفاعية.

ويشير استمرار الجدل حول القدرات الصاروخية الإيرانية إلى أن الهدنة الحالية لم تنهِ فعلياً أسباب الصراع، بل أوقفت المواجهة العسكرية بصورة مؤقتة، فيما بقيت ملفات التسلح والردع والنفوذ الإقليمي دون حلول حقيقية.

كما أن بقاء الجزء الأكبر من البنية الصاروخية الإيرانية سليماً نسبياً يعزز المخاوف من أن أي مواجهة مقبلة قد تكون أكثر تعقيداً واتساعاً، خصوصاً مع تطور استخدام الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة، التي أثبتت خلال الأشهر الماضية قدرتها على تجاوز أنظمة الدفاع التقليدية وإحداث تأثيرات كبيرة في المنشآت الحيوية.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو واشنطن أمام معضلة استراتيجية متزايدة التعقيد: فمن جهة، لم تحقق الضربات العسكرية هدف تقويض القدرات الصاروخية الإيرانية بصورة حاسمة، ومن جهة أخرى، فإن استمرار تعافي تلك القدرات يعزز احتمالات عودة التوتر والتصعيد في أي لحظة، خاصة إذا انهارت الهدنة الهشة القائمة حالياً.

ولهذا، تنظر دوائر أميركية إلى التقييمات الأخيرة باعتبارها مؤشراً على أن الصراع مع إيران دخل مرحلة جديدة عنوانها “إدارة التهديد” أكثر من “إنهائه”، في ظل إدراك متزايد بأن الترسانة الصاروخية الإيرانية ما تزال تمثل أحد أبرز عناصر القوة والردع في معادلات الشرق الأوسط.