عرب وعالم

الأربعاء - 13 مايو 2026 - الساعة 12:11 م بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


بحث ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، خلال اتصال هاتفي الثلاثاء، مع رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، تطورات الأوضاع الإقليمية وسبل تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، في ثاني تواصل بين الزعيمين خلال أقل من أسبوع، في وقت تتزايد فيه المخاوف الخليجية من انهيار الهدنة الهشة بين الولايات المتحدة وإيران، وعودة المنطقة إلى دائرة التصعيد العسكري المفتوح.

ويعكس تكرار الاتصالات بين الرياض وأبوظبي انتقال التنسيق الخليجي من مستوى المتابعة السياسية التقليدية إلى مستوى إدارة المخاطر الإقليمية بصورة مباشرة، خصوصاً مع تعثر الجولة الثانية من المفاوضات الأميركية الإيرانية في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، وما رافقها من مؤشرات متزايدة على هشاشة التفاهمات التي أوقفت المواجهة العسكرية مؤقتاً في أبريل الماضي.

وبالنسبة إلى السعودية والإمارات، لا تبدو الهدنة القائمة اتفاقاً مستقراً بقدر ما تمثل مرحلة مؤقتة قابلة للانهيار في أي لحظة، خاصة مع استمرار التصعيد السياسي والإعلامي بين واشنطن وطهران، وتواصل الهجمات التي طالت منشآت مدنية وممرات بحرية في الخليج خلال الأسابيع الماضية.

ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة الاتصال السعودي الإماراتي باعتباره جزءاً من تحرك أوسع لإدارة مرحلة ما بعد الهدنة، وليس مجرد متابعة للتطورات الراهنة. فالعاصمتان الخليجيتان تدركان أن أي انهيار للمحادثات الجارية سيعني عملياً عودة المنطقة إلى مناخ المواجهة المفتوحة، مع ما يحمله ذلك من تهديد مباشر لأمن الخليج واستقرار أسواق الطاقة العالمية.

ويبدو أن الرياض وأبوظبي تتعاملان مع المرحلة الحالية وفق مقاربة تقوم على الجمع بين الردع والاستعداد من جهة، والحفاظ على فرص التهدئة من جهة أخرى. فالتصعيد العسكري الذي شهدته المنطقة منذ أواخر فبراير أظهر أن دول الخليج لم تعد بمنأى عن تداعيات الصراع الأميركي الإيراني، بعدما امتدت الهجمات إلى منشآت اقتصادية ومدنية وممرات ملاحة حيوية.

كما أن استهداف السفن وناقلات النفط في محيط مضيق هرمز رفع مستوى القلق الخليجي من تحول الممرات البحرية إلى ساحة ضغط متبادل، وهو ما يفسر تركيز السعودية المتكرر على ضرورة حماية أمن الملاحة وضمان استمرار تدفق التجارة والطاقة دون تهديدات.

ولا يقتصر التنسيق السعودي الإماراتي على الجانب الأمني فقط، بل يعكس أيضاً محاولة لبناء موقف سياسي خليجي أكثر تماسكاً في مواجهة مرحلة إقليمية مضطربة. فالتطورات الأخيرة دفعت البلدين إلى إعادة ترتيب أولوياتهما الاستراتيجية، بعد سنوات شهدت تباينات في بعض الملفات الإقليمية، قبل أن تعيد التهديدات الأمنية المشتركة ترميم مستوى التنسيق بينهما.

وفي هذا السياق، تبدو الرياض وأبوظبي أكثر اقتناعاً بأن أي اضطراب أمني واسع في الخليج لن يبقى محصوراً داخل حدود دولة بعينها، بل ستكون له تداعيات مباشرة على مجمل البنية الاقتصادية والأمنية للمنطقة.

ولذلك، تتجه العاصمتان نحو تعزيز العمل المشترك تحسباً لسيناريوهات متعددة، تبدأ من انهيار التهدئة ولا تنتهي عند احتمال توسع المواجهة إلى الممرات البحرية وأسواق الطاقة الدولية.

ويأتي هذا الحراك الخليجي بالتزامن مع تحركات دبلوماسية دولية تهدف إلى منع انهيار المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران، وسط إدراك متزايد لدى القوى الغربية بأن أي انفجار واسع في الخليج ستكون كلفته الاقتصادية والاستراتيجية مرتفعة عالمياً، خصوصاً في ظل هشاشة سوق الطاقة الدولية والتوترات المتصاعدة في أكثر من ساحة إقليمية.

وفي هذا الإطار، برزت خلال الأيام الماضية مواقف أوروبية وعربية داعمة لخفض التصعيد، حيث دعت عدة عواصم غربية إلى حماية الممرات البحرية وضمان أمن الملاحة الدولية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تأثير أي مواجهة واسعة على صادرات النفط والغاز وحركة التجارة العالمية.

لكن رغم هذا الحراك الدبلوماسي، فإن المؤشرات الميدانية لا تزال تعكس مستوى مرتفعاً من التوتر. فاستمرار الهجمات المتبادلة، وتعثر المفاوضات السياسية، وتبادل الاتهامات بين واشنطن وطهران، كلها عوامل تجعل الهدنة الحالية أقرب إلى “وقف هش لإطلاق النار” منه إلى تسوية مستقرة قابلة للحياة على المدى الطويل.

ويعزز هذا التقدير استمرار حالة الاستنفار العسكري غير المعلنة في المنطقة، سواء عبر تكثيف أنظمة الدفاع الجوي أو رفع مستوى التنسيق الأمني والاستخباراتي بين دول الخليج وحلفائها الغربيين، في ظل مخاوف من أي تطور مفاجئ قد يؤدي إلى تجدد الضربات العسكرية بصورة أوسع.

كما تدرك السعودية والإمارات أن المخاطر لا تتعلق فقط بإمكانية عودة الحرب التقليدية، بل أيضاً باحتمال تصاعد الهجمات غير المباشرة عبر الطائرات المسيّرة والصواريخ والهجمات السيبرانية، وهي أدوات باتت تشكل أحد أبرز ملامح الصراعات الإقليمية الحديثة.

ومن هنا، تبدو الاتصالات السياسية المكثفة بين الرياض وأبو ظبي جزءاً من عملية تنسيق استراتيجي طويلة المدى، تهدف إلى بناء مقاربة خليجية أكثر قدرة على التعامل مع التحولات المتسارعة في البيئة الأمنية الإقليمية.

وفي موازاة ذلك، تحاول الدولتان الحفاظ على هامش للتحرك الدبلوماسي يمنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة. فالسعودية، التي أعادت خلال السنوات الأخيرة صياغة أولوياتها الإقليمية على أساس التركيز على الاستقرار والتنمية الاقتصادية، تدرك أن أي انفجار واسع في الخليج سيهدد مشاريعها الاقتصادية الكبرى ويزيد من الضغوط الأمنية والاقتصادية على المنطقة بأكملها.

وأما الإمارات، التي تعرضت خلال الفترة الماضية لهجمات استهدفت منشآت مدنية وناقلات نفط، فترى أن التحدي الحالي لا يتعلق فقط بالرد على الهجمات، بل أيضاً بمنع تحول الخليج إلى ساحة صراع مفتوح يهدد مكانته كمركز اقتصادي وتجاري عالمي.

وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبدو السعودية والإمارات أمام معادلة دقيقة: الاستعداد الكامل لأي سيناريو أمني محتمل، مع الاستمرار في دعم الجهود السياسية الرامية إلى احتواء التصعيد. وهي معادلة تعكس إدراكاً خليجياً متزايداً بأن المنطقة دخلت مرحلة شديدة الهشاشة، حيث تتعايش محاولات التهدئة مع احتمالات الانفجار الكبير في آن واحد.

ولهذا، لا يمكن النظر إلى الاتصال الثاني بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والشيخ محمد بن زايد باعتباره مجرد تنسيق ثنائي عابر، بل باعتباره مؤشراً على دخول الخليج مرحلة إعادة تموضع استراتيجي، عنوانها الأساسي إدارة مرحلة ما بعد الهدنة الهشة، والاستعداد لتداعيات أي تحول مفاجئ في مسار الصراع بين واشنطن وطهران.