أخبار وتقارير

الإثنين - 13 أبريل 2026 - الساعة 10:13 ص بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


في لحظة إقليمية تتسم بتصاعد غير مسبوق في حدة التوتر، تتقاطع مؤشرات التصعيد عند أهم ممرين بحريين في العالم، حيث يلوّح الحوثيون في اليمن بتوسيع عملياتهم العسكرية في محيط مضيق باب المندب، بالتوازي مع تحركات أميركية متسارعة لتعزيز السيطرة على مضيق هرمز.

ولا يعكس هذا التزامن مجرد تطورات ميدانية منفصلة، بل يشير إلى تحول أعمق في طبيعة الصراع، الذي بات يتخذ شكلاً مترابطاً عبر الجغرافيا البحرية، ويهدد بإعادة رسم معادلات الأمن والطاقة على مستوى العالم.

ويكشف تهديد جماعة الحوثي، الذي ربط بشكل مباشر بين استئناف الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران وبين تصعيد عملياتها، بوضوح عن مستوى التنسيق السياسي والعسكري داخل ما يُعرف بمحور المقاومة.

وأكدت الجماعة، في بيان صادر عن خارجيتها، أن موقفها "ثابت" في دعم طهران، وأنها مستعدة للدخول في "مسار تصاعدي" من العمليات العسكرية، وهو ما يضع البحر الأحمر، وتحديداً مضيق باب المندب، في دائرة الخطر المباشر.

وتكمن أهمية باب المندب في كونه أحد أهم الشرايين الحيوية للتجارة العالمية، إذ يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن، وتمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز القادمة من الخليج نحو أوروبا.

وأي اضطراب في هذا الممر قد يؤدي إلى تداعيات فورية على سلاسل الإمداد العالمية، ويدفع بأسعار الطاقة إلى مستويات مرتفعة، خاصة في ظل هشاشة الأسواق أصلاً نتيجة التوترات الجيوسياسية المتلاحقة.

وفي المقابل، تبدو الولايات المتحدة عازمة على منع تكرار سيناريو تهديد الملاحة في الخليج، من خلال تعزيز حضورها العسكري في محيط مضيق هرمز، الذي يمثل البوابة الرئيسية لصادرات النفط من دول الخليج.

وتأتي هذه التحركات في وقت تعثر فيه المسار الدبلوماسي مع إيران، رغم الهدنة المؤقتة التي تم التوصل إليها بوساطة باكستانية، والتي لم تنجح في تبديد الشكوك المتبادلة بين الطرفين.

ولا يهدف التحرك الأميركي فقط إلى حماية حرية الملاحة، بل يحمل أيضاً رسالة ردع واضحة لإيران، مفادها أن أي محاولة لاستخدام المضائق البحرية كورقة ضغط لن تمر دون رد. غير أن هذا النهج يرفع في الوقت ذاته من احتمالات الاحتكاك المباشر، خاصة إذا ما قررت طهران اختبار حدود هذا الانتشار العسكري، أو الرد عبر حلفائها في المنطقة، وفي مقدمتهم الحوثيون.

يخلق هذا التداخل بين الجبهتين—باب المندب وهرمز—ما يمكن وصفه بحالة "الاختناق البحري المزدوج"، حيث تتعرض الممرات الحيوية لضغوط متزامنة من جهتين مختلفتين.

وفي حال تطور هذا السيناريو، فإن العالم قد يواجه اضطرابات كبيرة في حركة التجارة الدولية، مع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتزايد المخاوف من نقص الإمدادات، خاصة في أسواق الطاقة.

ويرى مراقبون أن انخراط الحوثيين في هذا التصعيد لا يمكن فصله عن الاستراتيجية الإقليمية لإيران، التي تقوم على توزيع نقاط الضغط وتوسيع نطاق المواجهة لتشمل أكثر من ساحة.

وبدلاً من المواجهة المباشرة، يتم اللجوء إلى أدوات غير تقليدية، من بينها تهديد الممرات البحرية، بما يخلق حالة من عدم اليقين ويزيد من كلفة أي تحرك عسكري أميركي.

وفي هذا السياق، يصبح باب المندب أكثر من مجرد ممر بحري، بل يتحول إلى ورقة استراتيجية يمكن استخدامها للتأثير على موازين القوى.

ومع تزايد القدرات العسكرية للحوثيين، خاصة في مجال الطائرات المسيّرة والصواريخ المضادة للسفن، تتعاظم المخاوف من قدرتهم على تنفيذ هجمات قد تعطل حركة الملاحة، ولو بشكل مؤقت، وهو ما سيكون كافياً لإحداث صدمة في الأسواق العالمية.

وفي المقابل، تواجه الولايات المتحدة تحدياً متزايداً في إدارة هذا المشهد المعقد، حيث يتعين عليها تأمين أكثر من ممر بحري في وقت واحد، والتعامل مع تهديدات غير تقليدية صادرة عن جهات غير حكومية.

ورغم تفوقها العسكري، فإن تعدد بؤر التوتر يفرض عليها توزيع مواردها بشكل دقيق، ويزيد من احتمالات الانخراط في مواجهات غير محسوبة.

ورغم الإعلان عن هدنة مؤقتة بين واشنطن وطهران، فإن التصريحات الحوثية الأخيرة تعكس هشاشة هذا التفاهم، وتؤكد أن احتمالات التصعيد لا تزال قائمة بقوة. فالمشهد الحالي يتسم بدرجة عالية من السيولة، حيث يمكن لأي حادث ميداني أو قرار سياسي أن يشعل فتيل مواجهة أوسع، تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدود المنطقة.

وبين مساعي التهدئة ومؤشرات التصعيد، يبدو أن المنطقة تقف على أعتاب مرحلة جديدة، قد تتسم بمزيد من الاعتماد على أدوات الضغط غير المباشر، وفي مقدمتها التحكم بالممرات البحرية.

وفي ظل غياب إطار إقليمي جامع للأمن، واستمرار التنافس الدولي على النفوذ، تبقى احتمالات الانزلاق نحو مواجهة بحرية واسعة قائمة، مع ما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة.

ويعكس تزامن التهديد الحوثي في باب المندب مع الاستعداد الأميركي لمحاصرة هرمز تحوّلاً في طبيعة الصراع، من مواجهات تقليدية إلى صراع على "شرايين العالم".

وبينما تحاول القوى الكبرى تثبيت قواعد ردع جديدة، تظل المنطقة عرضة لهزات مفاجئة، قد تعيد رسم خريطة النفوذ، وتفرض واقعاً جديداً على حركة التجارة والطاقة في العالم.