عرب وعالم

الثلاثاء - 03 نوفمبر 2026 - الساعة 11:27 ص بتوقيت اليمن ،،،


تضع الضربات الأميركية المحدودة على جزيرة قشم الإيرانية إدارة الرئيس دونالد ترامب أمام معادلة تجمع بين إبقاء الضغط العسكري قائماً وتجنب العودة الفورية إلى حرب واسعة، في وقت تتواصل فيه الاتصالات الدبلوماسية بحثاً عن مخرج للمواجهة التي دخلت شهرها التاسع. ويمنح توقيت الضربات، عشية انتخابات التجديد النصفي الأميركية، العملية بعداً سياسياً إضافياً، لكنه لا يكفي وحده للقول إنها تحرك انتخابي موجه إلى الناخبين بقدر ما يعكس استمرار استخدام القوة ضمن إدارة التصعيد.

وقال مسؤول أميركي إن الولايات المتحدة نفذت ضربات على قشم، الواقعة في مضيق هرمز، موضحاً أنها كانت محدودة ولا تمثل استئنافاً للعمليات القتالية الرئيسية. وأضاف مسؤول آخر أن الهجمات جاءت في إطار إجراءات دفاعية ضد استخدام إيران صواريخ أرض-جو في مواجهة أصول أميركية، فيما أفادت وسائل إعلام إيرانية بوقوع انفجارات في الجزيرة. ولم تقدم واشنطن تفاصيل عن حجم الأضرار أو الخسائر، كما لم تصدر القيادة المركزية الأميركية تعليقاً على العملية

وتكتسب الضربات أهميتها من موقع قشم، القريبة من الممرات البحرية الحيوية في مضيق هرمز، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع أمن إمدادات الطاقة وحركة التجارة الدولية. فاستهداف مواقع إيرانية في هذه المنطقة، حتى إذا بقي محدوداً، يحمل رسالة تتجاوز الرد على حادث عسكري بعينه، مفادها أن واشنطن لن تترك لطهران حرية توسيع قدرتها على تهديد القوات الأميركية أو الملاحة التجارية في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

وتشير تقارير صحفية أميركية إلى أن الضربة الأخيرة ليست عملية منفردة، بل حلقة في سلسلة من الهجمات المحدودة التي نفذتها واشنطن خلال الأسابيع الماضية، بعضها لم يعلن عنه رسمياً. ووفق ما نقلته صحيفة وول ستريت جورنال، سعت الإدارة إلى إبقاء هذه العمليات في نطاق لا يوحي بقرار العودة إلى الحرب الشاملة. ويعزز ذلك قراءة تقوم على أن واشنطن تحاول ممارسة ضغط عسكري متدرج، مع الاحتفاظ بالقدرة على رفع مستواه إذا تعثرت المفاوضات أو تصاعدت التهديدات الإيرانية.

ويأتي هذا المسار في ظل تباين لافت بين تصريحات ترامب السابقة وموقفه الراهن. ففي الثامن من أكتوبر أعلن أن الولايات المتحدة لن تهاجم إيران قبل انتخابات الثالث من نوفمبر، مستنداً إلى ما وصفه بمحادثات مثمرة مع طهران. لكن الضربات على قشم وقعت قبل يوم واحد من التصويت، وإن وصفتها الإدارة بأنها دفاعية ومحدودة، وهو ما يكشف أن التعهد بعدم استئناف العمليات الكبرى لم يكن يعني بالضرورة وقف كل أشكال العمل العسكري.

ولا تنفصل هذه التطورات عن الحسابات الداخلية لترامب. فالحرب وتداعياتها على أسعار الوقود والاقتصاد الأميركي أصبحتا من الملفات التي تواجه الجمهوريين في الانتخابات، ولذلك يسعى الرئيس إلى تقديم المواجهة باعتبارها حققت أهدافاً عسكرية واقتصادية، مع تجنب إظهار نفسه كمن يجر البلاد إلى جولة مفتوحة جديدة. وقد قلل ترامب، في خطاب ألقاه الاثنين، من حجم المواجهة، قائلاً إن الولايات المتحدة لم تخض قتالاً منذ أشهر، فيما تحدث نائب الرئيس جي دي فانس عن تفاؤل بإمكان التوصل إلى تسوية تفاوضية.

لكن الرسالة الأهم تبدو موجهة إلى طهران. فإبقاء العمليات المحدودة قائماً بالتزامن مع التفاوض يحد من قدرة إيران على التعامل مع التهدئة باعتبارها فرصة لفرض وقائع جديدة في مضيق هرمز أو إطالة أمد المفاوضات من دون تقديم تنازلات. وفي مقابلة مع موقع أكسيوس، قال ترامب إنه ليس في عجلة لاتخاذ قرار بشأن استئناف القتال، لكنه أضاف أن واشنطن ستفعل شيئاً في نهاية المطاف، سواء عبر الاتفاق أو مسار آخر. كما كشف التقرير عن مسودة قطرية تتضمن خطوات لبناء الثقة على مدى ثلاثة أيام تمهيداً لاستئناف المحادثات المباشرة بين الطرفين.

وتواجه هذه المساعي عقبات تتصل أساساً بانعدام الثقة. فإيران تطالب بضمانات لتنفيذ أي اتفاق، وتقول إن الولايات المتحدة وإسرائيل هاجمتاها في مراحل سابقة بينما كانت منخرطة في التفاوض. وفي المقابل، تريد واشنطن ترتيبات تضمن وقف الهجمات على الملاحة في المضيق وتخفيف المخاطر على القوات والسفن التجارية، بينما يستمر الحصار البحري الأميركي على الموانئ الإيرانية. وتكشف هذه الشروط أن الخلاف لا يتعلق فقط بوقف إطلاق النار، بل بطبيعة الترتيبات الأمنية والسياسية التي ستلي الحرب.

وتزيد الضغوط الإسرائيلية من تعقيد المشهد؛ إذ نقلت وكالة أسوشيتد برس عن مسؤولين إقليميين أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو دفع باتجاه تنفيذ موجة جديدة من الضربات بعد الانتخابات، بينما تحذر دول في المنطقة من أن العودة إلى الحرب الواسعة قد تفتح جبهات إضافية، تشمل الحوثيين في اليمن والفصائل المسلحة في العراق، وتعرض الملاحة في البحر الأحمر والخليج لمخاطر أكبر.

وبذلك لا تبدو ضربة قشم إعلاناً عن قرار أميركي باستئناف الحرب، ولا دليلاً على أن واشنطن حسمت خياراتها بعد الانتخابات. لكنها تؤكد أن التفاوض يجري تحت ضغط عسكري مستمر، وأن إدارة ترامب تريد الاحتفاظ بهامش واسع من الخيارات من دون الالتزام بموعد نهائي للتصعيد أو التسوية. أما بالنسبة إلى طهران، فالرسالة أن المرونة الأميركية لا تعني التخلي عن القوة، وأن الوقت الذي تحصل عليه المفاوضات ليس بالضرورة وقتاً متاحاً بلا كلفة.