أخبار اليمن

الثلاثاء - 03 نوفمبر 2026 - الساعة 11:26 ص بتوقيت اليمن ،،،


لا تبدو التعديلات الحكومية الأخيرة في اليمن مجرد عملية لإعادة توزيع الحقائب والمواقع الإدارية، بل تأتي في لحظة تتجاوز فيها التحديات التي تواجه الحكومة المعترف بها دولياً حدود الأداء المؤسسي، لتطال قدرتها على الاحتفاظ بالمناطق الواقعة تحت سيطرتها ومنع انتقال المعارك إلى مراكز استراتيجية جديدة. فبينما تعلن الرئاسة تعيينات في وزارات وهيئات مدنية، تتسع الضغوط على جبهات تعز ولحج، في مشهد يكشف الفجوة بين إعادة ترتيب المناصب واختلال موازين القوة على الأرض.

وشملت القرارات الرئاسية تعيين سالم أبوبكر العولقي وزيراً للإعلام خلفاً لمعمر الإرياني، وتعيين القاضي أكرم العامري وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، وأحمد صالح العولقي وزيراً للإدارة المحلية. كما عُيّن الإرياني سفيراً في وزارة الخارجية، بعد أكثر من عشر سنوات قضاها في منصب وزير الإعلام.

وامتدت التغييرات إلى عدد من الهيئات والمؤسسات، بينها هيئة الطيران المدني ومؤسسة موانئ خليج عدن، إلى جانب تعيينات في قطاع الشؤون البحرية والموانئ. وفي الجانب العسكري، تضمنت القرارات تعيين اللواء رشاد إسماعيل اليوسفي في اللجنة العسكرية العليا وتكليفه بملف جبهة تعز، واللواء مجدي مناضل ثابت قائداً لمحور طور الباحة واللواء الأول في قوات درع الوطن.

وتعكس هذه الحزمة محاولة لإعادة توزيع المسؤوليات في قطاعات تتصل بالإدارة والخدمات والنقل، بالتوازي مع إجراء تغييرات في بعض المواقع العسكرية. لكن توقيت القرارات يمنحها دلالة تتجاوز طبيعتها الإدارية، خصوصاً أن الحكومة تواجه اختباراً ميدانياً متصاعداً، لا يتعلق فقط بإدارة الجبهات القائمة، بل بحماية خطوط الاتصال بين المدن والمناطق التي لا تزال تحت سيطرتها.

فبحسب مصادر عسكرية نقلت عنها وكالة رويترز في الثاني من نوفمبر، تقدمت القوات الحوثية إلى مسافة تقارب 80 كيلومتراً من عدن، بعد سيطرتها على مديرية المقاطرة وتراجع القوات الحكومية من مواقع في محيط طور الباحة. ويهدد هذا التقدم الطريق الاستراتيجي الرابط بين عدن وتعز، فيما تواجه المدينة الأخيرة حصاراً منذ مطلع أكتوبر، مع نزوح أكثر من مئة ألف شخص وتفاقم نقص الغذاء والوقود والدواء.

وتضع هذه التطورات التعيينات العسكرية الجديدة أمام اختبار مباشر. فتولي مسؤولية جبهة أو محور لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على تغيير مسار المعركة، ما لم يكن مصحوباً بصلاحيات واضحة، وسلسلة قيادة موحدة، وقدرة على توفير الإمدادات والتنسيق بين التشكيلات المختلفة. وهذه تحديداً إحدى المشكلات التي ظلت تواجه المعسكر المناهض للحوثيين خلال السنوات الماضية.

وتشير دراسات مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية إلى أن تعدد التشكيلات العسكرية وتباين ولاءاتها ومصادر تمويلها، إلى جانب وجود مراكز قرار متنافسة، أضعف قدرة القوات الحكومية على العمل ضمن قيادة وطنية واحدة. وفي المقابل، تمكن الحوثيون من تطوير بنية قيادية أكثر مركزية وتماسكاً، بما أتاح لهم التعامل مع الجبهات الحكومية بصورة منفصلة واستغلال ضعف التنسيق بينها.

ولا تعني هذه المقارنة أن القوات الحكومية تفتقر إلى القدرات أو الخبرات العسكرية، بل إن المشكلة تكمن في كيفية توظيفها ضمن إطار موحد. فالمعسكر المناهض للحوثيين يضم الجيش الرسمي وتشكيلات عسكرية وأمنية نشأت خلال سنوات الحرب، ولكل منها ظروف تأسيس وارتباطات سياسية وميدانية مختلفة. وقد جعل ذلك عملية دمجها في مؤسسة واحدة أكثر تعقيداً من مجرد إصدار قرارات تنظيمية أو تغيير القيادات.

وكان تشكيل اللجنة العسكرية العليا أحد المسارات التي راهنت عليها الرئاسة لمعالجة هذا الخلل، عبر إعادة تنظيم القوات وتوحيد قيادتها. كما اتجهت جهود إعادة الهيكلة، بدعم سعودي، إلى ضبط قوائم الأفراد والرواتب وتطوير آليات الإشراف على التشكيلات. غير أن هذه الخطوات، وفق تقديرات بحثية، لم تتحول بعد إلى منظومة قيادة وعمليات موحدة قادرة على منع تكرار الانهيارات الميدانية.

وتزداد صعوبة المهمة مع تداخل الحسابات السياسية داخل مجلس القيادة الرئاسي، وتباين أولويات القوى المنضوية في المعسكر الحكومي، فضلاً عن آثار التحولات التي شهدها الجنوب خلال الأشهر الماضية. فإعادة ترتيب المواقع لا تنهي تلقائياً الخلافات بشأن النفوذ والانتشار العسكري والموارد، ولا تضمن أن تتعامل مختلف التشكيلات مع القرارات المركزية باعتبارها أوامر ملزمة.

ومن هنا، لا ينحصر التحدي أمام الحكومة في اختيار وزراء ومسؤولين جدد، بل في إثبات قدرتها على ربط المؤسسات المدنية والعسكرية بمشروع دولة واحد. فوزارات الإدارة المحلية والخدمة المدنية والإعلام، وهيئات الطيران والموانئ، تمثل جوانب مهمة من الحضور المؤسسي، لكنها لا تستطيع وحدها تعويض غياب السيطرة الأمنية أو حماية الطرق والمنافذ الحيوية.

كما أن اتساع رقعة المواجهات يرفع كلفة استمرار الانقسام، ليس على المستوى العسكري فقط، بل على مستوى الوضع الإنساني والاقتصادي. فتهديد الطريق بين تعز وعدن ينعكس على حركة السكان والإمدادات والتجارة، ويضع الحكومة أمام مسؤولية تتجاوز الدفاع عن مواقعها إلى منع تدهور إضافي في الخدمات والظروف المعيشية.

وفي هذا السياق، تبدو التعديلات الأخيرة اختباراً لمدى قدرة الرئاسة على الانتقال من إدارة التوازنات بين القوى المختلفة إلى فرض قدر أكبر من الانضباط المؤسسي. فالمعيار لن يكون عدد القرارات أو المواقع التي شملها التغيير، وإنما ما إذا كانت هذه التغييرات ستنعكس على أداء الجبهات وتنسيق القوات واستقرار المؤسسات.

وتكشف التطورات أن أزمة الحكومة اليمنية ليست أزمة شغور مناصب بقدر ما هي أزمة تداخل سلطات وتعدد مراكز نفوذ. ولذلك، فإن تدوير المسؤولين قد يمنح مؤسساتها فرصة لإعادة ترتيب العمل، لكنه لن يغير موازين القوة ما لم يترافق مع معالجة الخلل في القيادة العسكرية وتوحيد القرار السياسي والميداني.

وفي ظل التقدم الحوثي باتجاه مناطق استراتيجية، لم يعد الفاصل بين الإصلاح الإداري والقدرة على الصمود العسكري مسألة نظرية، بل أصبح اختباراً مباشراً لمستقبل الحكومة ومناطق سيطرتها.