منوعات

الخميس - 23 أبريل 2026 - الساعة 12:08 م بتوقيت اليمن ،،،

ألطاف موتي


لم تكن شرارة الحرب الأولى صواريخ تنطلق في الأفق، بل كانت أسطرًا من الأكواد البرمجية.

قبل ساعات على دوي الانفجارات الأولى في المدن الإيرانية في الثامن والعشرين من فبراير 2026، كان هناك نوع آخر من الهجوم قد أحكم قبضته بالفعل؛ شبكاتٌ اختُرقت، واتصالاتٌ عُطلت، وأجهزة استشعار أُصيبت بالعمى التام. في صمتٍ مطبق، كانت الخوارزميات ترسم خرائط ميدان المعركة، وبحلول الوقت الذي ظهرت فيه المقاتلات في السماء، كانت الحرب قد حُسمت بالفعل — بواسطة الآلات.

لم تكن هذه عملية عسكرية تقليدية بأي حال، بل كانت الإعلان الرسمي عن وصول “الحرب الخوارزمية” بكل ثقلها إلى ساحة الصراع العالمي.

لقد شكلت الضربات الأميركية – الإسرائيلية المنسقة على إيران نقطة تحول جوهرية في تاريخ النزاعات الحديثة. ففي هذه المواجهة، لم يكن الذكاء الاصطناعي مجرد أداة دعم لوجستي، بل كان متغلغلًا في صميم عملية صنع القرار. ومن جمع المعلومات الاستخباراتية إلى اختيار الأهداف، قامت أنظمة الذكاء الاصطناعي بمعالجة تدفقات هائلة من البيانات في الوقت الفعلي، مما أدى إلى ضغط الجداول الزمنية التي كانت تستغرق أيامًا في السابق إلى مجرد دقائق معدودة.

ويصف المحللون العسكريون هذا الصدام بأنه أول حرب ذكاء اصطناعي حقيقية — نزاع لا يُعرف بقوة النيران فحسب، بل بمدى السرعة والسيادة في التحكم بالبيانات.

“سلسلة القتل” الجديدة
في الحروب التقليدية، تمر “سلسلة القتل” بمراحل متعددة: الرصد، التحقق، التفويض، ثم التنفيذ. وكانت كل خطوة من هذه الخطوات تتطلب تداولًا وتفكيرًا بشريًا معمقًا. أما اليوم، فقد أعاد الذكاء الاصطناعي صياغة هذه العملية من الصفر.

خلال الضربات على إيران، تدفقت ملايين النقاط البياناتية في آنٍ واحد من الأقمار الاصطناعية، والطائرات المسيرة، وأجهزة المراقبة السيبرانية، والاستخبارات الميدانية إلى أنظمة مركزية متطورة. لم تكن هذه الأنظمة تكتفي بمساعدة المحللين، بل كانت هي من يحدد الأهداف، ويقيم التهديدات، ويحاكي النتائج في الوقت الفعلي.

وكانت النتيجة سرعة عملياتية غير مسبوقة؛ إذ تشير التقارير إلى ضرب مئات الأهداف في غضون ساعات قليلة، وهي كثافة نيرانية لم تكن لتتحقق لولا الأتمتة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي عبر سلسلة القيادة بأكملها. يعكس هذا التحول حقيقة أعمق: الحرب لم تعد مقيدة بحدود المعالجة البشرية، بل باتت تعمل بسرعة الحوسبة.

أتمتة الاستهداف
وضعت الخبرات الإسرائيلية في النزاعات السابقة الأساس لهذا النموذج، حيث استخدمت بالفعل أنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على توليد “بنوك أهداف” ضخمة لتحديد الأفراد والبنية التحتية على حد سواء. وفي الصراع الإيراني، طُبق هذا المنطق على نطاق أوسع بمرات. لم يكتفِ الذكاء الاصطناعي بتحسين الدقة فحسب، بل قام بـ”تصنيع” عملية الاستهداف. ما كان في السابق قائمة منتقاة بعناية، أصبح قاعدة بيانات تتوسع باستمرار؛ مبان، شبكات، وأفراد، كلهم وُضعوا تحت مجهر الخوارزميات، وصُنّفوا حسب درجة التهديد، ثم غُذيت بهم أنظمة التخطيط للهجوم.

وبينما يرى المؤيدون أن هذه الأنظمة تزيد من الكفاءة وتقلل من عدم اليقين، يحذر النقاد من خطر تحويل الحرب إلى خط إنتاج آلي، حيث قد تطغى كمية الأهداف على جودة التحقق البشري.

كشفت المرحلة الافتتاحية للهجمات عن بعد آخر لحروب الذكاء الاصطناعي: الهيمنة على ساحة المعركة غير المرئية.

قبل بدء الضربات المادية، أدت العمليات السيبرانية المنسقة إلى شل أنظمة القيادة والسيطرة الإيرانية، وتدهور شبكات الاتصال، واختراق المنصات الرقمية، وبث رسائل نفسية عبر الأجهزة. هذا الانصهار بين العمليات السيبرانية والقوة الحركية يمثل عقيدة عسكرية جديدة؛ فالهدف ليس تدمير الأصول المادية فحسب، بل شل الإدراك وعملية صنع القرار لدى الخصم.

وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي الذي يضاعف هذه القدرات، حيث يمكنه تحديد الثغرات، وأتمتة عمليات الاختراق، وتكييف الهجمات في الوقت الفعلي. في بيئة كهذه، تتلاشى الحدود الفاصلة بين الحرب التقليدية وحرب المعلومات.

الصدع الأخلاقي
غالبًا ما يتم الترويج للذكاء الاصطناعي في الحرب من بوابة “الدقة”: معالجة أسرع، استهداف أدق، وضحايا أقل بين المدنيين. لكن الواقع أكثر تعقيدا؛ فتقليص دورات اتخاذ القرار يترك مساحة ضئيلة جدًا للحكم البشري. وعندما تُنتج الأهداف وتُرتب أولوياتها بواسطة الخوارزميات، يصبح دور المشغل البشري مجرد “موافق” لا “مقيم”.

وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا: من المسؤول عندما يخطئ الخوارزمي؟

لقد بدأت المخاوف تظهر بالفعل بشأن حوادث شملت ضحايا مدنيين خلال النزاع، مما يسلط الضوء على مخاطر الاعتماد الكلي على الأنظمة المؤتمتة في بيئات معقدة. فالذكاء الاصطناعي لا يلغي الخطأ، بل يسرع من وتيرته.

بعيدًا عن الميدان، يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل المنطق الإستراتيجي للصراعات. فمن خلال تقليل الحاجة إلى نشر قوات برية كبيرة وتمكين العمليات عن بُعد، يخفض الذكاء الاصطناعي التكاليف السياسية والعملياتية للحرب. وهذا يخلق ديناميكية خطيرة؛ فعندما تصبح الحرب أسهل في البدء والاستمرار، تنخفض عتبة اللجوء إليها.

وفي السياق الإيراني، لهذا تداعيات عميقة. فالمواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، كانت محكومة لفترة طويلة بمخاطر التصعيد. لكن الذكاء الاصطناعي يغير هذه المعادلة، إذ يتيح شكلاً من أشكال الصراع المستمر منخفض الرؤية – مراقبة دائمة، ضربات موجهة، وعمليات سيبرانية – دون الحاجة إلى إعلانات رسمية أو غزوات واسعة النطاق.

هذا ليس سلامًا، بل هو “مواجهة دائمة”.

المستقبل هنا بالفعل
أقرت المؤسسة العسكرية الأميركية علنًا باستخدام أدوات ذكاء اصطناعي متطورة في عملياتها ضد إيران. وما نشهده اليوم ليس مجرد تجربة، بل هو نموذج جديد للحرب.

في هذا النموذج، لا تُقاس الهيمنة بعدد الدبابات أو الطائرات، بل بالقدرة على جمع ومعالجة البيانات والتحرك بناءً عليها بسرعة تفوق الخصم. لقد امتدت ساحة المعركة من الحيز المادي إلى الشبكات الرقمية والمجالات الإدراكية.

وعلى الجانب الآخر، ورغم القيود التكنولوجية، ردت إيران بتوسيع قدراتها السيبرانية الخاصة، والنتيجة هي دورة متسارعة من التصعيد التكنولوجي، حيث يسعى كل طرف لتحقيق الأفضلية في المجال الخوارزمي.

قد تُذكر الضربات الأميركية – الإسرائيلية على إيران ليس فقط لنتائجها الجيوسياسية، بل لما كشفته عن مستقبل الحرب. إنه مستقبل تُصاغ فيه القرارات بواسطة الخوارزميات، وتنكشف فيه النزاعات بسرعة الآلة، ويصبح فيه الخط الفاصل بين الحكم البشري والفعل المؤتمت رفيعًا للغاية.

لم يعد السؤال المركزي هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُستخدم في الحرب أم لا، فقد تجاوزنا تلك العتبة بالفعل. السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع البشرية الاحتفاظ بالسيطرة على الأنظمة التي صنعتها أم أن الحرب نفسها بدأت تُعرف بواسطة قوى تعمل بسرعة تفوق التفكير البشري؟

في هذا الواقع الناشئ، السلاح الأخطر ليس الصاروخ، بل الخوارزميات.


كاتب باكستاني