أخبار وتقارير

الخميس - 23 أبريل 2026 - الساعة 11:57 ص بتوقيت اليمن ،،،

د. محمد الميتمي


منذ أن اكتشف الإنسان عالم الميكروبات، لم تعد الفيروسات مجرد ظواهر طبية، بل تحولت إلى نموذج تفسيري غني لفهم آليات الاختراق، والتكاثر، وإعادة التشكيل داخل الأنظمة الحية. تمثل العلاقة بين الزائر الطفيلي (الفيروس) وجسد العائل (المضيف) صراعا بيولوجيا دقيقا ومعقدا، حيث يعد هنا الفيروس طفيليا إجباريا لا يستطيع العيش والتكاثر بمفرده خارج خلايا الكائن الحي.

فالفيروس، في جوهره كائن على حافة الحياة بلا خلية ولا سيتوبلازم، كيان بسيط من حيث البنية يعيش في حالة خمول خارج المضيف، عميق من حيث الأثر؛ لا يمتلك حياة مستقلة، لكنه قادر- عند دخوله الخلية – على إعادة برمجتها، وتسخير مواردها لخدمة بقائه وانتشاره. هذه الخاصية تحديدًا تفتح أفقًا تحليليًا يتجاوز البيولوجيا، لنقرأ من خلالها ظواهر اجتماعية وسياسية معقدة كالميلشيات في اليمن، التي تتصرف بمنطق مشابه داخل جسد المجتمع اليمني.

في هذا الإطار، يمكن النظر إلى الميليشيات بوصفها “فيروسات اجتماعية” طفيلية تغزو جسد المجتمع لتتكاثر وتعيد إنتاج نُسخاً منها بأشكال وأنواع وألوان مختلفة عبر استغلال البيئة الاجتماعية والسياسية والدينية والثقافية الملائمة للتكاثر والانتشار. هذه الكائنات الاجتماعية الطفيلية لا تكتفي بممارسة العنف، بل تنفذ إلى البنية العميقة للمجتمع، فتُعيد تشكيل وعيه، وقيمه، وأنماط سلوكه. وهنا تُعدّ الحالة اليمنية مثالًا مكثفًا لهذه الظاهرة، حيث لم يعد الصراع مجرد تنازع على السلطة، بل عملية ممتدة لإعادة صياغة الإنسان ذاته، في ظل بيئة هشة تسمح لهذه “العدوى الاجتماعية” بالانتشار والتجذر.

لفهم هذا القياس، لا بد من الوقوف عند الخصائص الأساسية للفيروس الطبيعي. فهو يعتمد على ثلاث آليات مركزية: الاختراق، إعادة البرمجة، والتكاثر. يبدأ بدخول خلية مضيفة، ثم يُدرج مادته الوراثية داخلها، ليحوّلها إلى مصنع لإنتاج نسخ جديدة منه، تنتشر بدورها إلى خلايا أخرى. اللافت للنظر أن الفيروس لا يدمّر الخلية فورًا، بل يستثمرها، ويستنزفها تدريجيًا. وعند نقل هذا النموذج إلى الحقل الاجتماعي، نجد أن الميليشيات تعمل بطريقة مشابهة. فهي لا تقتصر على السيطرة السياسية والعسكرية، بل تسعى إلى التغلغل داخل البنية الاجتماعية، واستثمار مواردها البشرية والثقافية والدينية، وتحويلها إلى أدوات لإعادة إنتاج نفوذها. وهنا، لا يكون المجتمع مجرد ضحية، بل يتحول – في بعض أجزائه – إلى وسيط للانتشار.

لا تصيب الفيروسات الأجسام السليمة بالقوة نفسها التي تصيب بها الأجسام الضعيفة. وكذلك، لا تنجح الفيروسات الاجتماعية إلا في بيئات تعاني من هشاشة بنيوية. في اليمن، تراكمت هذه الهشاشة عبر عقود من ضعف الدولة، وغياب العدالة، والتفاوت الاجتماعي وتفريخ أيديولوجيات سامة وإنتاج وإعادة إنتاج مُفْرِط لنخب معطوبة، وتآكل الثقة بين المكونات المختلفة. في مثل هذه البيئة، لا تحتاج الميليشيات إلى اقتحام صريح بقدر ما تعتمد على التسلل الذكي والتخفي والتقية. تبدأ بخطاب يستثمر المظلومية، ويستدعي الهوية، ويعد بالخلاص. ثم تتوسع تدريجيًا عبر شبكات التعليم، والإعلام، والعلاقات الاجتماعية، حتى تصبح جزءًا من النسيج اليومي. هذا الاختراق لا يكون دائمًا مرئيًا، بل يحدث غالبًا في مستوى الوعي. فالفرد قد لا يشعر بأنه أصبح جزءًا من منظومة أوسع، لكنه يتبنى مفاهيمها، ويعيد إنتاج خطابها. وهنا تكمن خطورة المرحلة: حين يتحول الوعي نفسه إلى ساحة للاختراق.

إذا كان الاختراق هو المدخل، فإن إعادة البرمجة هي الجوهر. فالخلية المصابة لا تعود كما كانت، بل تتغير وظيفتها. وكذلك، فإن المجتمع الذي تخترقه الفيروسات الاجتماعية يشهد تحولات عميقة في منظومة القيم والمعتقدات والسلوك. ولهذا نحن اليوم نشهد مجتمعا يمنيِّاً لم نعهده من قبل بحيث يصعب التعرف عليه. حيث يمكن رصد هذه التحولات في اليمن بوضوح: العنف، الذي كان يُنظر إليه كاستثناء، يُعاد تعريفه كوسيلة مشروعة؛ الطاعة تُقدَّم بوصفها فضيلة عليا، على حساب التفكير النقدي؛ والانتماء الضيق والطائفية والسلالية والمناطقية تُقدَّم كبدائل عن الهوية الوطنية الجامعة. ولا يتم ذلك عبر القسر فقط، بل عبر الإغراء مع خطاب مُحكم يعيد تعريف المفاهيم الأساسية: الخير، والشر، والحق، والواجب. ومع مرور الوقت، يتشكل إطار مرجعي جديد، يجعل من الصعب على الأفراد إدراك التناقض، لأن معايير الحكم نفسها قد تغيرت. هذه العملية لا تُنتج فقط أفرادًا متأثرين، بل تُنتج أجيالًا كاملة تتشكل داخل هذا الإطار، مما يجعل “العدوى” أكثر رسوخًا واستدامة.

مثلما لا يكتفي الفيروس بإصابة خلية واحدة، لا تكتفي الفيروسات الاجتماعية بالتأثير على الأفراد. بل تمتد لتشمل المؤسسات، والبنى الاقتصادية، والثقافية، والتعليمية. في اليمن، يظهر هذا الامتداد في إعادة تشكيل النظام التعليمي بما يخدم خطابًا معينًا، وفي توجيه الإعلام ليصبح أداة تعبئة، وفي إدارة الاقتصاد وفق منطق الحرب، حيث تُعاد توزيع الموارد بما يعزز مراكز النفوذ. وهكذا، يتحول المجتمع إلى شبكة معقدة من العلاقات التي تُعيد إنتاج الظاهرة. ولم يعد بالإمكان فصل “الفاعل” عن “البيئة”، لأن الاثنين أصبحا متداخلين. فبعض المؤسسات، التي يُفترض أن تكون أدوات مناعة، تتحول إلى قنوات للانتشار.

يمتلك الجسد جهازًا مناعيًا يحدّ من انتشار الفيروسات. وفي المجتمعات، تتمثل هذه المناعة في مؤسسات الدولة، والتعليم النقدي، والإعلام المستقل، والهوية الوطنية الجامعة. غير أن هذه العناصر، في الحالة اليمنية، تعرضت لتآكل عميق. فالدولة ضعفت، والمؤسسات تفتتت، والتعليم تراجع، والإعلام انقسم. ومع غياب هذه الحواجز، أصبح المجتمع أكثر عرضة للاختراق وإعادة التشكيل. بل إن بعض عناصر المناعة نفسها قد أصيبت بالعطب، فتحولت إلى أدوات تعزز الظاهرة بدل مقاومتها. هذه المرحلة هي الأخطر، لأنها أفقدت المجتمع اليمني القدرة على التمييز بين المرض والعلاج، وبين الخطر والحماية.

لا تنتهي آثار الفيروسات عند لحظة الإصابة، بل قد تترك تغييرات طويلة المدى في الجسد. وكذلك، فإن الفيروسات الاجتماعية تُحدث تحولات عميقة في الإنسان والمجتمع. في اليمن، يتجلى ذلك في جيل نشأ في ظل الحرب، وتشكّل وعيه ضمن خطاب أحادي، وفقد الثقة في الآخر، وفي المؤسسات. كما يظهر في اقتصاد مشوَّه، يعتمد على الصراع، وفي علاقات اجتماعية تقوم على الشك والانقسام. هذه التحولات لا تزول تلقائيًا بانتهاء الصراع، بل تحتاج إلى جهود طويلة لإعادة البناء. فالمشكلة لم تعد فقط فيما دُمّر، بل فيما أُعيد تشكيله.

طبعا، من السهل اختزال المشكلة في وجود الميليشيات، لكن هذا التبسيط يُخفي تعقيدًا أكبر. فالظاهرة هي، في جانب منها، عرض لمرض أعمق: هشاشة الدولة، غياب العدالة، وتآكل الهوية الوطنية وثقافة الإقصاء والنفي وهي ملامح وخصائص غائرة وعميقة في الأزمة اليمنية. وبالتالي، فإن أي محاولة للعلاج لا بد أن تتعامل مع الجذور، لا المظاهر فقط. فإزالة “الفيروس” دون تقوية “المناعة” قد يؤدي إلى عودته بأشكال مختلفة. إن الخروج من هذه الحالة يتطلب مقاربة متعددة الأبعاد، تبدأ بإعادة بناء الإنسان. فالتعليم النقدي، والإعلام الحر، وتعزيز الهوية الوطنية الجامعة، تمثل عناصر أساسية في بناء مناعة مجتمعية قادرة على المقاومة. كما يتطلب إعادة بناء المؤسسات على أسس من الشفافية والعدالة، بما يعيد الثقة بين الدولة والمجتمع. ولا يقل أهمية عن ذلك، خلق بيئة تسمح بتداول المعرفة، وتشجع على التفكير الحر، وتكسر احتكار الخطاب. إن بناء هذه المناعة ليس مهمة قصيرة الأمد، بل مشروع طويل يتطلب إرادة سياسية، واستثمارًا مستمرًا، ووعيًا جماعيًا بخطورة المرحلة.

إن التشبيه بين الفيروسات الطبيعية والفيروسات الاجتماعية يكشف عن حقيقة عميقة: الصراع الحقيقي لا يدور فقط على الأرض، بل داخل الإنسان نفسه، في وعيه، وقيمه، وقدرته على التفكير. وفي اليمن، لا تكمن المأساة في الحرب وحدها، بل في الكيفية التي تُعيد بها هذه الحرب صياغة الإنسان والمجتمع. ومع ذلك، فإن التاريخ يُظهر أن المجتمعات قادرة على التعافي، إذا ما أدركت طبيعة الخطر، واستثمرت في بناء مناعتها.

فكما يستطيع الجسد أن يقاوم الفيروس، يستطيع المجتمع أن يستعيد توازنه. يبقى السؤال مفتوحًا: هل يتمكن اليمن من تحويل هذه التجربة القاسية إلى لحظة وعي، تؤسس لمسار جديد؟ الإجابة ليست سهلة، لكنها ممكنة، إذا ما وُضع الإنسان في مركز المشروع، لا كوسيلة، بل كغاية فالمجتمعات، كالأجساد، يمكن أن تُشفى. لكن الشفاء لا يحدث تلقائيًا، بل يتطلب وعيًا بالمرض، وإرادة للمقاومة، واستثمارًا طويل الأمد في بناء المناعة.

هذه المرحلة هي الأخطر، لأنها تُفقد المجتمع القدرة على التمييز بين المرض والعلاج، وبين الخطر والحماية.