عرب وعالم

الأربعاء - 21 أكتوبر 2026 - الساعة 03:43 م بتوقيت اليمن ،،،


تتجه المشاركة التركية في اتفاق مكة للدفاع المشترك مع السعودية وباكستان إلى التركيز على الخبرات الفنية والقدرات الدفاعية، في مرحلة أولى تستهدف تعزيز قدرة المملكة على التصدي للتهديدات الجوية، ولا سيما الصواريخ والطائرات المسيّرة، في ظل تصاعد الهجمات الحوثية. ويعكس هذا التوجه مساراً للتعاون العسكري لا يبدأ بالضرورة بنشر قوات قتالية، بل بتوفير الكوادر المتخصصة والتقنيات التي تدعم منظومات الدفاع السعودية.

وقال نائب من حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، في تصريحات لوكالة رويترز الأربعاء، إن كوادر فنية وخبراء أتراكاً سيُرسلون أولاً للمساعدة في مجالي الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية. وأضاف أن الحكومة تعتزم تقديم مقترح إلى البرلمان يسمح بنشر عسكريين في السعودية بموجب الاتفاقية، بعد استكمال التصديق عليها.

وتضع هذه التصريحات المشاركة التركية في مسارين متوازيين: دعم فني ودفاعي يجري العمل عليه، وإطار قانوني قد يتيح لاحقاً وجوداً عسكرياً أوسع، من دون أن يعني ذلك أن قرار نشر قوات برية اتُّخذ بالفعل.

وتكتسب الخبرات التركية في الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية أهمية في ظل التحديات التي تواجهها السعودية مع استمرار الهجمات المنطلقة من اليمن. فالتعامل مع الصواريخ والطائرات المسيّرة لا يتوقف على امتلاك منصات الاعتراض، بل يتطلب منظومة متكاملة للكشف المبكر وتتبع الأهداف وتبادل المعلومات وتنسيق الاستجابة، فضلاً عن القدرة على مواجهة وسائل التشويش والأنظمة الإلكترونية المستخدمة في الهجمات.

ومن هذا المنطلق، يمكن أن يتيح وجود الخبراء الأتراك تعزيز التكامل بين المنظومات الدفاعية وتطوير إجراءات التشغيل والتنسيق الفني، إلى جانب الاستفادة من الخبرات المرتبطة بالصناعات العسكرية التركية. لكن طبيعة المهام التفصيلية وحجم الكوادر التي ستشارك لم يُعلنا بصورة نهائية، ولذلك لا يمكن الجزم بأن الدور التركي سيتضمن تشغيل أنظمة بعينها أو تولي مسؤوليات ميدانية محددة.

وتنسجم هذه المقاربة مع توجه أنقرة إلى توظيف قدراتها الدفاعية والصناعية في توسيع علاقاتها الأمنية مع دول المنطقة، مع إبقاء الانتشار العسكري خاضعاً للاعتبارات السياسية والقانونية. فالمساهمة الفنية تتيح تقديم دعم ملموس للسعودية من دون أن تعني تلقائياً مشاركة القوات التركية في عمليات قتالية أو برية داخل اليمن.

ووقعت السعودية وباكستان وتركيا اتفاق مكة للدفاع المشترك في أغسطس الماضي، وينص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً، وفق تفاصيل الاتفاق التي أوردتها رويترز. كما يشمل التعاون تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتعاون في الصناعات الدفاعية، والدعم اللوجستي ومكافحة الإرهاب.

وتمنح هذه البنود الاتفاقية نطاقاً أوسع من مجرد تنسيق عسكري طارئ، إذ تفتح المجال أمام تطوير تعاون مؤسسي بين الدول الثلاث في مجالات التدريب والتجهيز وتبادل الخبرات. غير أن تحويل هذه الالتزامات إلى قدرات مشتركة يتطلب تحديد مساهمة كل طرف، وآليات الاستجابة عند وقوع هجوم، وطبيعة الدعم الذي يمكن تقديمه بحسب ظروف كل أزمة.

وتبرز أهمية الدور التركي من امتلاك أنقرة صناعة دفاعية متطورة نسبياً، وخبرة في تطوير الطائرات المسيّرة والأنظمة الإلكترونية والتقنيات العسكرية. أما باكستان، فتضيف إلى الاتفاق قدراتها العسكرية وخبراتها في مجالات التدريب والتعاون الدفاعي مع السعودية. ويتيح الجمع بين هذه الإمكانات تنويع مصادر الدعم وتعزيز التعاون بين الشركاء، وإن كانت فاعلية ذلك ستتوقف على مستوى التنسيق والتكامل بين أنظمتهم.

وأحالت تركيا الاتفاقية إلى البرلمان للتصديق عليها الثلاثاء، في خطوة تمهد لاستكمال الإجراءات الداخلية اللازمة لدخولها حيز التنفيذ بالنسبة إلى أنقرة. وقال النائب من الحزب الحاكم إن الحكومة ستعرض مقترح نشر العسكريين بعد التصديق على الاتفاقية، ما يعني أن التفويض المحتمل يمثل مرحلة منفصلة عن المصادقة على الاتفاق نفسه.

ويكتسب هذا التفريق أهمية في قراءة طبيعة التحرك التركي؛ فالموافقة على اتفاق دفاع مشترك لا تعني بالضرورة نشر قوات على الفور، كما أن طرح تفويض عسكري لا يحسم وحده حجم الانتشار أو مهامه أو مدته. وستظل هذه المسائل مرتبطة بصيغة المقترح الذي ستقدمه الحكومة، والإجراءات البرلمانية، والاحتياجات التي يجري الاتفاق عليها مع الرياض.

ويتيح البدء بالخبراء والكوادر الفنية لأنقرة دعم القدرات السعودية في مجال الدفاع من دون القفز مباشرة إلى خيارات أكثر حساسية سياسياً وعسكرياً. وفي الوقت نفسه، فإن الإعداد لتفويض محتمل يشير إلى أن التعاون قد يتوسع إذا استدعت التطورات ذلك، لكن هذا الاحتمال يظل مختلفاً عن قرار نهائي بإرسال قوات برية أو المشاركة في عمليات داخل اليمن.

ويأتي التحرك التركي في وقت تسعى فيه السعودية إلى تعزيز دفاعاتها وتوسيع دائرة الشراكات الأمنية في مواجهة التهديدات الحوثية. ويمنح اتفاق مكة هذا التعاون إطاراً سياسياً وعسكرياً أوسع، لكنه لا يلغي الحاجة إلى تحديد الأدوار العملية لكل دولة، ولا يحسم تلقائياً طبيعة الاستجابة المشتركة لأي تصعيد.

وبالنسبة إلى أنقرة، تبدو المساهمة الفنية مدخلاً لتفعيل الاتفاقية واختبار إمكانات التعاون قبل اتضاح شكل المشاركة العسكرية الأوسع. أما بالنسبة إلى الرياض، فإن الاستفادة من الخبرات والتقنيات الدفاعية قد تساعد في رفع كفاءة مواجهة التهديدات الجوية، مع بقاء أثرها مرتبطاً بنوعية القدرات المقدمة ومدى اندماجها في المنظومة السعودية.

في المحصلة، تبدأ المشاركة التركية في اتفاق مكة من بوابة الدفاعات الجوية والخبرات الفنية، بينما يبقى نشر العسكريين احتمالاً يحتاج إلى استكمال المسار البرلماني وتحديد طبيعة المهمة. وبين المسارين، يتوقف حجم الدور التركي على تطورات التهديدات الأمنية، وما تتفق عليه الدول الثلاث بشأن تحويل التزامات الدفاع المشترك إلى إجراءات عملية، من دون افتراض أن التعاون الفني يقود بالضرورة إلى تدخل بري.